للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

حلاله ويحرم حرامه، يؤمن بمتشابهه ويعمل بمحكمه، يأتمر بأمره وينتهي عن نهيه، ويتخلق بخلقه

كما وصفه ربه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وكذلك يتعظ بمواعظه، ويعتبر بعبره وقصصه وأخباره، ويقوم ببلاغه عن ربه حق البلاغ، تأدية للأمانة، وقيامًا بأعباء الرسالة.

وقد جمع الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - محاسنَ الصفات، ومكارم الأخلاق كلها، وليس ثم كلمة هي أجمع لكريم صفاته وحسن شمائله وسجياه - صلى الله عليه وسلم - من الكلمة التي وصفَتْه بها أمُّ المؤمنين عائشة-رضي الله- عنها لَمَّا سُئلت عن خُلُقه - صلى الله عليه وسلم -، قالت: فإن خُلُق نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآنَ. (١)

قال ابن الأثير -رحمه الله-:

أي متمسكًا بآدابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن. (٢)

ولذا كان الصحابة الكرام-رضوان الله عليهم- يرجعون إليه في كل دقيق وجليل يتعلق بالقرآن وفهم معانيه ومقاصده ومراميه.

ثالثًا: عناية الصحابة -رضي الله عنهم- بحفظ القرآن في صدورهم

والكلام ما يزال متصلًا عن المعنى الأول، الذي هو حفظ القرآن وتقييده في الصدور.

لقد حرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على تعليم أصحابه كتاب ربهم، فبمجرد نزول الوحي نضًا طريًا يسارع في أخذه عن جبريل-عليه السلام- ويعجل بتعليمه لهم وتلقينهم ما أنزل إليه من ربه، ويحفظهم إياه، ويفقههم في معناه، ويلقنهم طريقة أدائه وآداب تلاوته، ويحثهم على تحسين أصواتهم به ويأمرهم بالتغني به، ويرغبهم فيه، ويبين لهم عظيم الأجر وجزيل الثواب المترتب على أخذ القرآن وفضل تعلمه وتعليمه، كل ذلك ترغيبًا لهم في تعلمه وتلقيه، وحتى يجمعوا بين حفظ اللفظ وفهم المعنى، وينقلوا ما تعلموه من كتاب ربهم من نور وحيز العلم، إلى واقع وصدق العمل.

ولقد أجل الصحابةُ- رضوان الله عليهم- كتابَ ربهم أيما إجلال، فأنزلوه في قلوبهم ونفوسهم وأرواحهم منزلة الروح من الجسد كما وصفه الله تعالى بقوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (الشورى: ٥٢)

يقول مالك بن دينار: الروح هو القرآن، وسماه روحًا لأن فيه حياة من موت الجهل (٣).


(١) - رواه مسلم ١/ ٥١٢ (٧٤٦)، وهو طرف من حديث طويل.
(٢) -النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٧٠). النهاية في غريب الحديث والأثر المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير (المتوفى: ٦٠٦ هـ) الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م تحقيق: طاهر أحمد الزاوي - محمود محمد الطناحي عدد الأجزاء: ٥
(٣) -الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (١٦/ ٥٣).

<<  <   >  >>