للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ب- دلائل أخرى تنفي القول بالصَّرْفَةِ:

١ - يلزم من قولهم إن العرب قد صرفوا عن هذا المستوى فحيل بينهم وبينه بحيث لم يحاولوه قط؛ أن حالهم في البلاغة والبيان وجودة النظم وشرف اللفظ قد تراجعت، فنقصت قرائحهم وأذهانهم وعدموا كثيرا مما كانوا يستطيعونه.

وبالتالي فإنه يلزم منه أيضًا أن أشعارهم التي قالوها وخطبهم التي قاموا بها وكل تعابيرهم بعد الوحي جاءت قاصرة عما سمع منهم من قبل، فضاق عليهم مجال كان متسعًا، ونضبت مواردهم التي كانت غزيرة، وخذلتهم قوى كانوا بها يصولون. وبناء عليه فلا بد أن تخرج أشعار شعراء النبي التي امتدحوه بها ونددوا بالمشركين ناقصة متقاصرة عن شعرهم الجاهلي!؟

وبالتالي فإن التساؤل يدخل على هؤلاء القوم في قول رسول الله-صلى الله عليه وسلم-لحسان بن ثابت (اهجهم - أو هاجهم - وجبريل معك) (١) فكيف يكون مؤيدًا بعون الله في حين أن الله يعدمه كثيرًا من المواهب والقدرة التي كان يتمتع بها قبل!؟

وينبني على قولهم أن الرسول-صلى الله عليه وسلم- قد تقاصرت بلاغته أيضًا والذي يحكم به علماء اللغة والأدب - وهو حقيقة لا مرية فيها - أن آداب العرب زمن بعثة محمد- صلى الله عليه وسلم- لم تكن قاصرة عن آداب الجاهلية بحال. بل إن الأمر أكثر من هذا فقد نزل القرآن بلغة فيها من قوة البيان والبلاغة والفصاحة، ما أشرقت بها للعرب بيانهم، وارتقت بها بلاغتهم، وأثمرت ثمارًا طيبة لم يكن للعرب قبل الإسلام بها عهد.

٢ - إن إجماع المسلمين قد انعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن، قبل خلاف المخالفين، فهذا دال على إجماعهم على أن الإعجاز نابع من ذات القرآن لا من أمر خارج عنه.

٣ - أنه خابت محاولات بعض الأدعياء لمعارضة القرآن، كالذي فعله مسيلمة الكذاب وسُجَاح (٢). وإذا كان كلامهم الذي أتوا به عُرَّةً في جبينهم أبد الدهر وخزيًا لهم؛ فإنه ينفي

الصَّرْفَةِ، لأنها تعني أنهم صرفت هممهم عن معارضة القرآن! وفي الواقع أن محاولة المعارضة قد حصلت!! فلو كان ثمة صرفة لما أظهر هؤلاء من الكلام ما زعموا أنه معارض للقرآن.

٤ - أنهم يوردون علينا استدلالًا على الصَّرْفَةِ: أن العرب بلغاء فصحاء، وكان بعضهم يتقن نظم كلمتين بديعتين في جملة كلامية تبلغان طبقة من البلاغة جد عالية فلو أن الواحد منهم ضم ما جادت به القريحة ثانيًا إلى الأول وهكذا .. يتكامل له بعد حين، قدر سورة من القرآن.


(١) - رواه الشيخان: البخاري، كتاب الأدب، باب هجاء المشركين، (٧/ ١٠٧) وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت رضي الله عنه، (٤/ ١٩٣٣)، وغيرهما …
(٢) سُجَاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان امرأة نجدية من بني تميم. ادعت النبوة في زمن الردة وتبعها قوم ثم صالحت مسيلمة وتزوجته ثم بعد قتله عادت إلى الإسلام فأسلمت وعاشت إلى خلافة معاوية ذكر ذلك صاحب التاريخ المظفري: (٨/ ١٩٨). ويُنظر: الإصابة في تمييز الصحابة: رقم: (١١٣٦١) (ص: ١٠٢).

<<  <   >  >>