للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله: (فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا) يدل على أنهما أولى من غيرهما في التعوذ من الجان وعين الإنسان خاصة، لا في مطلق الاستعاذة. (١)

وفي نحو قول الحافظ يقول الشوكاني (ت: ١٢٥٠ هـ) -رحمه الله- أيضًا:

فِي الحَدِيث دَلِيل على أن الِاسْتِعَاذَة بِهَاتَيْنِ السورتين: أولى من الِاسْتِعَاذَة بِغَيْرِهِمَا، لَكِن لَا فِي مُطلق الِاسْتِعَاذَة، بل فِي التَّعَوُّذ من الجان وَعين الْإِنْسَان. (٢)

وهذا التوجيه الذي عزاه الحافظ لبعض أهل العلم، توجيه له وجاته وقوته، وإن لم يكن الأرجح ولذا أخره الحافظ، وَذِكْرُ الشوكانيِ له هنا كذلك، يقويه ويعلى مناره.

ووما يؤكد ما سبق ذكره وما ضُم إليه قولي الحافظ، والشوكاني، فإنه-صلى الله عليه وسلم- كان يعوذ بهما سبطيه، كما كان يعوذهما بغيرهما كذلك، ما ثبت عند البخاري من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: (إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ. (٣)

يقرر الباحث فيقول:

إن في القول بمكية المعوذتين خلاف مشهور، وقد قال به جمع من أهل العلم، وهو قول له قوته واعتباره، وبعد البحث والتنقيب تميل النفس إليه ولا تجزم به. (٤)

فعلى القول بمكتيهما فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد عوذ سبطيه بغيرهما، وكان ذلك بعد نزولهما، وإن سبطيه قد ولدا بعد الهجرة بالمدينة، فقد ولد الحسن في السنة الثالثة من الهجرة، وولد الحسين بعده بسنة واحدة.

والرد والمناقشة هنا كان على اعتبار القول بأنهما عوذتين- فحسب- وسيأتي الرد الشافي الكافي الوافي بالتفصيل والتأصيل في رد عموم الشبهة الوارد في شأن القول بأن المعوذتين ليستا من القرآن الكريم.

[المحور الثالث: أبرز الآثار الواردة في شبهة الفاتحة والمعوذتين ومناقشتها]

وفي صدد الطعن الوارد في مصحف ابن مسعود وخلوه من الفاتحة والمعوذتين فقد وردت في ذلك آثار وروايات كثيرة ومتعددة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

الأثر الأول: ما رواه الأعمش (ت: ١٤٧ هـ): عن إبراهيم (٥) أنه قال:


(١) - فتح الباري: (١٠/ ١٩٥). بتصرف يسير.
(٢) - تحفة الذاكرين: (ص: ٤١٥).
(٣) - صحيح البخاري (٣٣٧١)
(٤) - وللاستزادة من بحث نزول المعوذتين، يُنظر: تفسير القرطبي: (٢٠/ ٢٥١)، التحرير والتنوير: (٣٠/ ٦٢٤)، وزاد المسير: (٤/ ٥١٠)، فتح القدير: (٥/ ٦٤٢).
(٥) - هو: إبراهيم النخعي، وستأتي ترجمته.

<<  <   >  >>