للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

و " تحديت فلانًا إذا بارَيْتَه في فعل ونازَعْتَه الغلبة"، … وهي الحديّا ". (١)

قال عمرو بن كلثوم في معلقته متحديًا الناس جميعًا بمجد قومه وشرفهم:

حُدَيّا الناسِ كلِّهِمِ جَميعا … مُقارَعَةً بَنِيهمْ عن بَنيِنا. (٢)

[ب- مفهوم التحدي في الاصطلاح]

والتحدي اصطلاحًا: يتصل اتصالاً وثيقًا بالمعنى اللغوي فهو طلب الإتيان بالمثل على سبيل المنازعة والغلبة ويتحدد المثل تبعا لما يتحدى به.

فالتحدي بالقرآن طلب الإتيان بمثله. (٣)

ويعلل الباقلاني (ت: ٤٣٠ هـ) عن الاحتياج في باب القرآن إلى التحدي فيقول:

"وإنما احتيج في باب القرآن إلى التحدي لأن من الناس من لا يعرف كونه معجزًا، فإنما يعرف أولًا إعجازه بطريق؛ لأن الكلام المعجز لا يتميز من غيره بحروفه وصورته، وإنما يحتاج إلى علم وطريق يتوصل به إلى معرفة كونه معجزًا، فإن كان لا يعرف بعضهم إعجازه، فيجب أن يعرف هذا، حتى يمكنه أن يستدل به، ومتى رأى أهل ذلك اللسان قد عجزوا عنه بأجمعهم مع التحدي إليه والتقريع به والتمكين منه صار حينئذ بمنزلة من رأى اليد البيضاء وانقلاب العصي ثعبانًا تتلقف ما يأفكون … ". (٤)

وكلمة "المعجزة من الفعل أعجز وهو فعل مزيد بالهمزة وأكسبته الزيادة التعدي إلى مفعول به، فأصبح الإعجاز واقعًا على فرد أو أفراد أو غير ذلك، فعندما تستخدم الكلمة في سياق إعجاز القرآن وقعت على الجن والإنس كافة، ولعل آيات التحدي هي التي رسخت قضية الإعجاز التي ناقشها المكذبون ربما قبل أن يرد التعرض لها في القرآن تعرضًا صريحًا وذلك في قوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)

ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)) (المدثر: ١٨ - ٢٥)، فإن الركون في الكلام المذكور-هنا- إلى تصنيف القرآن الكريم في إطار السحر لهو اعتراف صريح بخروجه على المألوف من كلام البشر، ولعل هذا هو الذي دعاه إلى تأكيد الزعم بأنه من كلام البشر، نذكر هذا للائتناس بهذا القول المذكور الذي يحاول صاحبه تفنيد الخصوصية


(١) - ابن منظور-لسان العرب، مادة حدا- (١٦٨).
(٢) -شرح المعلقات السبع- الزوزني- ص: ١٧٧ - نقلاً عن: التحدي بالقرآن الكريم-د. محسن الخالدي-ص: ٣
(٣) -المرجع السابق-ص: ٣
(٤) - إعجاز القرآن-الباقلاني-ص: ١٩٠.

<<  <   >  >>