للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

سافرتُ مع ابنِ عباس - رضي الله عنهما - مِن مكةَ إلى المدينةِ، فكان يَقومُ نصفَ الليلِ فيقرأُ القرآنَ حرفًا حرفًا، ثم يَبكي حتى تَسمعَ له نَشيجًا. (١).

[بيان حرص الصحابة - رضي الله عنهم -على العمل بكل ما أنزل من القرآن]

ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: لما نزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٨٤)، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم بركوا على الرُكب فقالوا أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.

فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم فأنزل الله في إثرها: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) (البقرة: ٢٨٥)، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى وأنزل الله عز و جل: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا (قال نعم) رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا (قال نعم) رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ (قال نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (قال نعم) (البقرة: ٢٨٦). (٢)

وفيه بيان فضل الصحابة رضى الله عنهم وإذعانهم وانقيادهم وتسليمهم لأمر الله تبارك وتعالى وامتثالهم لأمر رسوله صلى الله عليه و سلم، وذلك لما أمرهم بالتسليم والانقياد، فلما انقادوا للأمر كان من بركة ذلك الانقياد والإذعان مجازاتهم بالتخفيف والثناء عليهم من ربهم بقوله سبحانه في وصف استجابتهم وصبرهم على طاعة ربهم بأن قالوا: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنا) فجاءتهم بشارة ربهم بنسخ ما سبق.


(١) - مختصر قيام الليل للمروزي-باب الترتيل في القراءة حديث رقم (١٧٤) (ص: ١٣١)
(٢) - أخرجه مسلم حديث (١٢٥)، وتفرد به عن البخاري، وأخرج الترمذي بنحوه في " كتاب التفسير" باب ومن سورة البقرة، حديث (٢٩٩٢).

<<  <   >  >>