للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بمفهومها، ولا بالسياق القرآني، بل هي مخالفة للنص القرآني تمامًا، هدفها هو البحث في كتاب الله من أصل يؤيد شذوذهم، وغايتها الصد عن كتاب الله ودينه، وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال عن الدين. (١)

وعموم البشر على اختلاف لغاتهم يعتبرون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى، وأسلوب الأحاجي والألغاز لا وجود له إلا في الفكر الباطني، ولو اتخذ هذا الأسلوب قاعدة لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصل الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام.

والمتأمل لهذه المقالة يدرك خطورة هذا الاتجاه الباطني في تفسير القرآن، وأنه يقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، ويسقط الانتفاع بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به، والباطن لا ضابط له، بل تتعارض فيه الخواطر، ويمكن تنزيله على وجوه شتى، وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم جميع الشريعة بتأويل ظواهرها، وتنزيلها على رأيهم. ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن، ودلالاتها لما تحقق به الإعجاز، ولكن من قبيل الألغاز، والعرب كانت تفهم القرآن من خلال معانيه الظاهرة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) - رحمه الله -:

من ادعى علمًا باطنا، أو علمًا بباطن وذلك يخالف العالم الظاهر كان مخطئًا، إما ملحدًا زنديقًا، وإما جاهلاً ضالاً … وأما الباطن المخالف للظاهر المعلوم، فمثل ما يدعيه الباطنية القرامطة من الإسماعيلية والنصيرية وأمثالهم،

ثم يقول- رحمه الله -:

وهؤلاء الباطنية قد يفسرون: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس: ١٢) أنه عليٌّ .. وقوله: (فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) (التوبة: ١٢). أنهم طلحة والزبير، (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ) (الإسراء: ٦٠). بأنها بنو أمية. (٢) وعلى هذا الهراء يمضي القوم الظالمون في التلاعب بتأويل آي القرآن حسب ما تقتضيه أسس القواعد الباطنية التي قعدها لهم إبليس.

[استنكار العلماء للتفسير الباطني]

وكان علماء الإسلام يستنكرون هذا التأويل الباطني، لأن: "من فسر القرآن وتأوله على غير التفسير المعروف من الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن


(١) - فتح الباري، للحافظ ابن حجر: (١/ ٢١٦).
(٢) مجموع الفتاوى: (١٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧).

<<  <   >  >>