للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مفتوحًا، أرأيت لو أن نبيًا قال لقومه: (إن آيتي أن أضع يدي على رأسي هذه الساعة، وتمنعون كلكم من أن تستطيعوا وضع أيديكم على رؤوسكم)، وكان الأمر كما قال، ممَّ يكون تعجب القوم، أمِن وضعه يده على رأسه، أم من عجزهم أن يضعوا أيديهم على رؤوسهم؟. " (١)

يقول الباقلاني:

"وأخيرا فإن الصَّرْفَةِ تصور القرآن معجزة حسية معقدة خفية. فلو كان المراد الإعجاز الحسي لما كان ثمة داع لجعله مصحوبًا بتلك الصورة الكلامية مع التحدي بها. فذلك نمط مُرْبِكٌ عسير

الإدراك، يُستغنى عنه بأهون شيء يقطع ما بين النبي- صلى الله عليه وسلم- وقومه من جدل ومعاناة ". (٢)

حادي عشر: ذكر جملة من أشهر أقوال العلماء القائلين ببطلان القول بالصَّرْفَةِ

[١ - شيخ الإسلام بن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) -رحمه الله-]

حيث يقول: "ومن أضعف الأقوالِ - أي في إعجاز القرآن - قول من يقول من أهل الكلام: إنه معجز بصرف الدواعي مع تمام الموجب لها، أو بسلب القدرة التامة، أو بسلبهم القدرة المعتادة في مثله سلبًا عامًا، مثل قوله تعالى لزكريا: ( … آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليالٍ سويًا) (مريم: ١٠) وهو أن الله صرف قلوب الأمم عن معارضته مع قيام المقتضي التام فإن هذا يقال على سبيل التقدير والتنزيل، وهو أنه إذا قدر أن هذا الكلام يقدر الناس على الإتيان بمثله، فامتناعهم جميعهم عن هذه المعارضة مع قيام الدواعي العظيمة إلى المعارضة من أبلغ الآيات الخارقة للعادات بمنزلة من يقول: إني آخذ أموال جميع أهل هذا البلد العظيم، وأضربهم جميعهم، وأجوعهم، وهم قادرون على أن يشكوا إلى الله، أو إلى ولي الأمر، وليس فيهم - مع ذلك - من يشتكي، فهذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة.

ولو قدر أن واحدًا صنف كتابًا يقدر أمثاله على تصنيف مثله، أو قال شعرًا، يقدر أمثاله أن يقولوا مثله، وتحداهم كلهم، فقال: عارضوني، وإن لم تعارضوني فأنتم كفار، مأواكم النار، ودماؤكم لي حلال، امتنع في العادة أن لا يعارضه أحد. فإذا لم يعارضوه كان هذا من أبلغ العجائب الخارقة للعادة.

والذي جاء بالقرآن قال للخلق كلهم: أنا رسول الله إليكم جميعًا، ومن آمن بي دخل الجنة، ومن لم يؤمن بي دخل النار، وقد أبيح لي قتل رجالهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، ووجب


(١) دلائل الإعجاز في علم المعاني: (ص: ٣٩٠).
(٢) - إعجاز القرآن للباقلاني ص ٢٩ - ٣٠ وبيان إعجاز القرآن للخطابي ص ٢٠ - ٢١. ويُنظر: إعجاز القرآن للرافعي: (ص: ١٦٢).

<<  <   >  >>