للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهذا الكلام قد يكون أقرب للصواب والتحقيق من غيره بكثير، لأن الجزم بزمان ومكان هذه المصاحف أمر فيه من التخرصات والتكهنات الشيء الكثير الذي يحتاج معه التحقيق والتدقيق والتثبت وذكر براهين ساطعات وحجج واضحات دامغات كوضوح الشمس في ربيعة النهار.

وقد كُتِبَت وسطرت في ذلك أبحاث يمكن الاستزادة منها في هذا المبحث الهام، وإن كانت تلك البحوث ما تزال تفتقر إلى تحقيق وتدقيق بصورة تليق بموضوع البحث ومكانته وأهميته. (١)

[المطلب الثالث: ظهور طباعة المصحف العثماني وانتشاره في الآفاق في عصرنا الحاضر]

المصحف الشريف ذلك الكتاب المعظم، ذو الحلة القشيبة والخط المزخرف، الذي يعكف المسلمون على قراءته وتدبره، لا شك أنه لم يصل إلينا بحلته البديعة وزخارفه المنمقة على طريق من الورد، وإذا كنا اليوم نحمل مصاحف مفسرة على هواتفنا المحمولة، ونستطيع أن نحصل على نسخة من المصحف الشريف في كل مكان وزمان، ونوقن تمامًا بأن جميع نسخ المصاحف اليوم في العالم كله مضبوطة ضبطًا تامًا ومطابقة لبعضها تمام المطابقة، لا تزيد حرفًا ولا تنقص حرفًا،

وإذا كنا اليوم نعرف المصحف على هذه الحالة فعلينا أن نعلم أنه مر بكثير من المراحل عبر عصور الإسلام الطويلة حتى وصل إلى هيئته المألوفة لنا.

ولكن ما هو مألوف ومعتاد لنا اليوم كان في زمن مضى مقصدًا يسعى المسلمون إلى تحقيقه، فهل نتخيل مقدار العناء والمشقة التي وجدها المسلمون الأوائل في تدوين القرآن الكريم حين كانت وسائل التدوين غير ميسورة، فكانت كتابتهم له في الجلود والعظام واللخاف، بحيث إذا أرادوا أن يحتفظوا بنسخة واحدة من القرآن الكريم -كما يقول الشيخ طاهر الكردي -رحمه الله- المكتوب بالخط الكوفي الغليظ على هذه الأشياء الثقيلة لاحتاجوا إلى مكان واسع حتى يمكن حفظها فيه!

وهل نتصور أنه منذ أكثر من مائة عام -وهو عهد قريب في تاريخ المصاحف- كانت الجهات الرقابية في مصر تمنع دخول أي مصحف من خارج البلاد، نظرًا لوجود كثير من المصاحف المملوءة بالأخطاء في ذلك الوقت! وأنه منذ قرابة الستين عامًا كانت محاولات تحريف المصاحف لا تزال قائمة، خاصة في بعض البلاد الإسلامية النائية!

إنها رحلة طويلة مر بها المصحف الشريف حتى انتهى إلى صورته المشرقة وحلته القشيبة التي نعهده عليها اليوم، وهي رحلة تثبت تحقق الوعد الإلهي بحفظ القرآن الكريم، كما قال ربنا الكريم: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).


(١) منها كتاب: " أضواء على مصحف عثمان بن عفان- رضي الله عنه- ورحلته شرقًا وغربًا " للدكتورة سحر السيد عبد العزيز سالم، طبع مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، ١٩٩١ م.

<<  <   >  >>