للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ يَعُودُ بَصِيرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ مِنْ نَسْجِ الْجَنَّةِ.

وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ قَمِيصَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ قَمِيصَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جُرِّدَ مِنْ ثِيَابِهِ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ عُرْيَانًا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِقَمِيصٍ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ، فَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ فَكَانَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَلَمَّا مَاتَ وَرِثَهُ إِسْحَاقُ، فَلَمَّا مَاتَ وِرِثَهُ يَعْقُوبُ، فَلَمَّا شَبَّ يُوسُفُ جَعَلَ يَعْقُوبُ ذَلِكَ الْقَمِيصَ فِي قَصَبَةٍ، وَسَدَّ رَأَسَهَا، وَعَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ، لِمَا كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَيْنِ، فَكَانَ لَا يُفَارِقُهُ. فَلَمَّا أُلْقِيَ فِي الْبِئْرِ عُرْيَانًا جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَعَلَى يُوسُفَ ذَلِكَ التَّعْوِيذُ، فَأَخْرَجَ الْقَمِيصَ مِنْهُ وَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُ، فَفِي هَذَا الْوَقْتِ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ: أَرْسِلْ ذَلِكَ الْقَمِيصَ، فَإِنَّ فِيهِ رِيحَ الْجَنَّةِ لَا يَقَعُ عَلَى سَقِيمٍ وَلَا مُبْتَلًى إِلَّا عُوفِيَ، فَدَفَعَ يُوسُفُ ذَلِكَ الْقَمِيصَ إِلَى إِخْوَتِهِ وَقَالَ: أَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا، {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} (١) .

{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) } .

{وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ} أَيْ خَرَجَتْ مِنْ عَرِيشِ مِصْرَ مُتَوَجِّهَةً إِلَى كَنْعَانَ {قَالَ أَبُوهُمْ} أَيْ: قَالَ يَعْقُوبُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ، {إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} .

رُوِيَ أَنَّ رِيحَ الصَّبَا اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تَأْتِيَ يَعْقُوبَ بِرِيحِ يُوسُفَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ الْبَشِيرُ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: أَصَابَ يَعْقُوبَ رِيحُ يُوسُفَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِنْ مَسِيرَةِ ثَمَانِ (٢) لَيَالٍ.

وَقَالَ الْحَسَنُ: كَانَ بَيْنَهُمَا ثَمَانُونَ فَرْسَخًا (٣) .

وَقِيلَ: هَبَّتْ رِيحٌ فَصَفَّقَتِ الْقَمِيصَ، فَاحْتَمَلَتْ رِيحَ الْقَمِيصِ إِلَى يَعْقُوبَ، فَوَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَعَلِمَ أَنْ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ مِنْ رِيحِ الْجَنَّةِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْقَمِيصِ، فَلِذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لِأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ.

{لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ} تُسَفِّهُونِي، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: تُجَهِّلُونِي. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: تهرِّمون فَتَقُولُونَ: شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ خَرَّفَ وَذَهَبَ عَقْلُهُ. وَقِيلَ: تُضَعِّفُونِي. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: تُضَلِّلُونِي. وَأَصِلُ الْفَنَدِ: الْفَسَادُ.


(١) عقَّب ابن عطية على هذه الروايات، فقال: "وهذا كله يحتاج إلى سند، والظاهر: أنه قميص يوسف الذي هو منه بمنزلة قميص كل أحد، وهكذا تبين الغرابة في أن وجد ريحه من بُعْدٍ، ولو كان من قمص الجنة لما كان في ذلك غرابة، ولوجده كل أحد". انظر: المحرر الوجيز: (٨ / ٧١-٧٢) .
(٢) في "ب": ثلاث.
(٣) انظر: البداية والنهاية لابن كثير: ١ / ٢١٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>