للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَكَانَتْ تَحِيَّةُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ السُّجُودَ، وَلَمْ يُرِدْ بِالسُّجُودِ وَضْعَ الْجِبَاهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا هُوَ الِانْحِنَاءُ وَالتَّوَاضُعُ (١) .

وَقِيلَ: وَضَعُوا الْجِبَاهَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّحِيَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، لَا عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ. وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَنُسِخَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ (٢) .

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَعْنَاهُ: خَرُّوا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سُجَّدًا بَيْنَ يَدَيْ يُوسُفَ (٣) . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ (٤) .

{وَقَالَ} يُوسُفُ عِنْدَ ذَلِكَ: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} وَهُوَ قَوْلُهُ: "إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ".

{وَقَدْ أَحْسَنَ بِي} [رَبِّي، أَيْ] (٥) : أَنْعَمَ عَلَيَّ، {إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْجُبِّ مَعَ كَوْنِهِ أَشَدَّ بَلَاءً مِنَ السِّجْنِ، اسْتِعْمَالًا لِلْكَرَمِ، لِكَيْلَا يَخْجَلَ إِخْوَتُهُ بَعْدَمَا قَالَ لَهُمْ: "لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ"، وَلِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي إِخْرَاجِهِ مِنَ السِّجْنِ أَعْظَمُ، لِأَنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجُبِّ صَارَ إِلَى الْعُبُودِيَّةِ


(١) قاله سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن. انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٦٥ زاد المسير ٤ / ٢٩٠.
(٢) قاله الثوري والضحاك وغيرهما، كما نقله القرطبي: ٩ / ٢٦٥، ونقله الطبري أيضا عن الضحاك وسفيان الثوري. قالوا: كان السجود تحية بينهم، وقال ابن زيد: ذلك السجود لشرفه، كما سجدت الملائكة لآدم لشرفه، ليس بسجود عبادة. قال الطبري: وإنما عني بذلك: أن ذلك كان منهم على الخلق، لا على وجه العبادة، ومما يدل على أن ذلك لم يزل من أخلاق الناس قديما قبل الإسلام على غير وجه العبادة من بعضهم لبعض قول أعشى بني ثعلبة: فلمَّا أتانا بُعَيْدُ الكَرَى ... سَجَدْنا له ورفعنا عَمَارا
انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٢٧٠.
(٣) أخرج الطبري عن ابن عباس، قال: رفع أبويه على السرير، وسجدا له، وسجد له إخوته. وهذا يخالف ما ذكره البغوي. قال النقاش: وهذا خطأ؛ والهاء راجعة إلى يوسف عليه السلام لقوله تعالى في أول السورة: (رأيتهم لي ساجدين) ، وكان تحيتهم أن يسجد الوضيع للشريف، والصغير للكبير. انظر: تفسير الطبري: ١٦ / ٢٦٩، تفسير القرطبي: ٩ / ٢٦٤.
(٤) أجمع المفسرون أن ذلك السجود -على أي وجه كان- إنما كان تحية لا عبادة؛ قال قتادة: هذه كانت تحية الملوك عندهم، وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقد لاحظ القرطبي أن هذا المنسوخ صار عادة في زمنه عند بعض الناس، فشنَّع عليهم قائلا: هذا الانحناء والتكفي الذي نُسخ عنا قد صار عادة بالديار المصرية، وعند العجم، وكذلك قيام بعضهم إلى بعض؛ حتى إن أحدهم إذا لم يقم له وجد في نفسه كأنه لا يُؤْبه به، وأنه لا قدر له، وكذلك إذا التقوا انحنى بعضهم لبعض، عادة مستمرة، ووراثة مستقرة، لا سيما عند التقاء الأمراء والرؤساء. نكبوا عن السُّنن، وأعرضوا عن السُّنن. وروى أنس بن مالك قال: قلنا يا رسول الله! أينحني بعضنا إلى بعض إذا التقينا؟ قال: لا، قلنا، أفيعتنق بعضنا بعضا؟ قال: لا. قلنا: أفيصافح بعضنا بعضا؟ قال: نعم (خرّجه أبو عمر بن عبد البر في التمهيد) . انظر: تفسير القرطبي: ٩ / ٢٦٥-٢٦٦، وراجع المحرر الوجيز: ٨ / ٨٠، تفسير ابن كثير: ٢ / ٤٩١-٤٩٢.
(٥) ساقط من "أ".

<<  <  ج: ص:  >  >>