للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لرسم خطوات ذلك المنهج، وبيان أصوله وقواعده، ووضعه بصورة تصلح للتطبيق فيما بعد. وعندما يقوم الاتجاه التجريبي بهذه المهمة الفكرية لا يخلو من خلطها بأيدلوجيته الحسية، فاستأثر بالعلوم أو أخذ حصة الأسد منها، وأقام عليها فلسفة حسية مغالية أصبحت فيما بعد مرجعية لمن يتوهمون فيها العلمية.

ترى "التجريبية" بأن المعرفة الحقيقية الموجودة في العقل هي ما طبعته الحواس فيه (١)، ولذا تسمى بالتجريبية الحسية مقابل "العقلية" التي ترى بأن للذهن أثرًا في تشكيل المعرفة من خلال مواده القبلية التي تتفاعل مع معطيات الحس، فيجعلون لتلك المواد القبلية دورًا في صناعة المعرفة، أما الاتجاه الحسي فلا أثر قبلي فيه وإنما العقل صفحة بيضاء تشكله الحواس وتطبع عليه المعرفة.

وتبعًا لذلك يرى الاتجاه التجريبي بأن "العالم الطبيعي هو المجال الواقعي الوحيد، الذي يمكن معرفته عن طريق التجربة الحسية"؛ لأنّه الوحيد الذي يُحسّ ولا طريق لمعرفته إلا بمناهج العلم الطبيعي. والعلم الناتج عن ذلك هو العلم الحقيقي الذي يمكن التحقق منه بالتجربة الحسية. ويصبح العالم الطبيعي هو الحقيقة الوحيدة فقط فلا مكان لغيره، ولا يوجد عالم آخر غير العالم الطبيعي، والكون لا يعتمد على شيء خارج عنه (٢).

وتبرز هنا أهم الإشكاليات المنهجية في هذا الاتجاه وذلك بحصره المعرفة الوحيدة المقبولة بتلك المعرفة الناتجة فقط عن طريق الحس واشتراط وجود مماثل لها في الواقع أو أن تكون انعكاسًا لما في الواقع، فهي تُخرج قضايا الغيب من حيّز المعرفة المقبولة، كما أن مصطلحي: الحق والوحيدة المخصصين عند الاتجاه التجريبي بالمحسوسات فقط يحملان في لحمتهما استبعاد كل معرفة حقة أخرى لا تأتي عن طريق الحس. وبسبب ذلك كان الاتجاه التجريبي الحسي والوضعي فيما بعد نافرًا كل النفور من الدين والغيب والوحي؛ لعدم خضوعها لميزانهم الحسي. ومن الطبيعي أن تكون المعرفة العلمية الحديثة مرتبطة بالمحسوسات؛ لأن عالمها هو عالم الحس، ولكن مشكلة المنهج التجريبي


(١) انظر: نظرية المعرفة، د. محمود زيدان ص ٢٤.
(٢) انظر: نظرية المعرفة، د. عادل السكري ص ٦٤ وما بين القوسين بنصه.

<<  <  ج: ص:  >  >>