للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالمشكلة الكبرى عندنا أن تلك العلوم الحديثة، سواء كانت علومًا طبيعية أو تسمى بالطبيعية أو علومًا اجتماعية، إنما نمت ونبتت في ديارنا مرتبطة بأصولها المعرفية الوجودية التي تختلف عن أرضيتنا المعرفية والوجودية، ومن هنا. . . . نتيجة لانطلاق علومنا من تلك الأصول -فلم يحدث أبدًا أن ارتبطنا بها، خصوصًا في العلوم الاجتماعية. . . ." (١)، ونتيجة لذلك أخذت قضية التأصيل الإِسلامي للعلوم مكانتها في مشروعات الفكر الإِسلامي، ولاسيما في صنع علاقة يتلاقى فيها الأصول المعرفية والوجودية لهذه العلوم مع أصولنا المنطلقة من عقيدتنا والتي بنيت عليها مجتمعاتنا (٢).

[٢ - الوعي بمشقة المشروع]

مشروع "التأصيل" الذي يتبناه الفكر الإِسلامي المعاصر، ولاسيما عند الاتجاه السلفي مشروع شاق، إنه ليس مشروع "ترجمة" كما عرفته حضارتنا الإِسلامية في الماضي أو أول عصر النهضة الحديثة، وليس مشروع تعلم ودراسة كما وقع في عصرنا الحديث عبر مشروع "الابتعاث" الذي لم ينقطع من قرنين. الأول يحتاج توفير مترجمين رغم تعقد التصور الحديث حول الترجمة، والثاني يحتاج إلى إمكانيات مادية بعد أن أصبح العلم تجارة في الجامعات الغربية، بخلاف مشروع "التأصيل" فهو يحتاج إلى كل ما سبق وزيادة، فهو في حاجة إلى صناعة طاقات جديدة ورؤية جديدة، فنحن من جهة في حاجة إلى "فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى تطورها، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإِسلام"، يقابل ذلك "فهم واستيعاب التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة" لنصل إلى "القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد تركيبة أو توليفة تتكامل فيها معطيات هذه العلوم الشرعية من جهة، ونتائج العلوم العصرية التي تمت غربلتها بما يساعد على تحقيق غايات الإِسلام العليا" (٣).


(١) التأصيل الإِسلامي للعلوم. المفهوم والمنهج، د. إبراهيم رجب وَد. عبد الرحمن الزنيدي، ص ٧، من كلام د. رجب.
(٢) انظر: المرجع السابق ص ٨، من كلام د. رجب.
(٣) انظر: المرجع السابق ص ٩ - ١٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>