للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لهم جهودهم في الجوانب المادية الصحيحة والمفيدة؛ لأن الأمور المادية قد جعلها الله سبحانه للبرّ والفاجر، المؤمن والملحد، وهم قد اعتنوا بها وقدموا فيها أعمالًا مهمة يشاركون فيها غيرهم على المستوى المادي مما ضاعف من مكانتهم (١)، ولكنهم يعممون تلك النجاحات على أمور الدين والغيب والقيم ويحكمونها في أمور الحياة ليطبعوا كل شيء بطابع مادي. وفي هذه النقطة بالذات يبدأ عملهم التدميري، وهو الجانب الذي نجح فيه العمل الإفسادي للاتجاه المادي مستثمرًا في ذلك بعض ما شارك فيه غيره من نجاحات مادية من باب لبس الحق بالباطل قال -تعالى-: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)} [البقرة: ٤٢]، فكثيرًا ما يُلبس أهل الضلال الحق بالباطل، ليكون ذلك أقبل لباطلهم، مع العلم بأنهم على المستوى العلمي لم ينجحوا في إثبات صحة تطبيقات المادية على المسائل غير المادية وكل ما هنالك هو إقصاء ما لا يعجبهم ومصادرته، ولكن جانب الدعاية المادية ونشاط تياراتها قد نجح في التغطية على هذه الثغرة وتمرير دعوتهم على الكثير حتى أضحت الرؤية المادية هي "البنية الفكرية التحتية أو النموذج المعرفي الكامن للعديد من الفلسفات الحديثة" (٢) محققة في ذلك نجاحًا كبيرًا كان له آثاره إلى اليوم على العلم من جهة وعلى المجتمعات البشرية من جهة أخرى. على هذا المنوال وجدت التيارات المادية فرصتها بعد أن برعت الحضارة الغربية في الجانب المادي لتقوم هي بتغذية الجانب المعنوي من هذه الحضارة (٣)، لاسيّما بعد أن فقد الدين مكانته تاركًا مجاله لمثل تلك الفلسفات.

[ج - صورة العلاقة بين المادية والعلم الحديث]

عرفنا فيما سبق بأن الاتجاه المادي قديم موجود قبل الثورة العلمية الحديثة، ولكنه بعد ظهورها بدأ يبحث عن حجج جديدة يدعم بها رؤيته المادية،


(١) انظر: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، د. عبد الوهاب المسيري ص ٢٠، وانظر: العلم في مواجهة المادية؛ قراءة في كتاب حدود العلم لسوليفان، د. عماد الدين خليل ص ١٩ - ٢٤.
(٢) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان ص ٧.
(٣) انظر: العلمانية، محمد مهدي ص ٧٧ - ٧٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>