للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الذين قادوا الدعوة لإصلاح اللاهوت الكاثوليكي، وخرجوا عليه مكونين بذلك كنائس جديدة، كان أشهرها طائفة البروتستانت بقيادة "لوثر"، وقد أسهم الطرفان في "صناعة حقبة جريئة من تاريخ الفكر الغربي" (١).

ويمكن القول بأن هاتين الظاهرتين أسهمتا بفعالية كبيرة في إضعاف قبضة التركة اللاهوتية الأرسطية الموروثة من العصور الوسطى، ومهدتا بشكل أو آخر لميلاد الثورة العلمية وعصر أوروبا الحديث.

[أ- عصر النهضة وحركة الإنسانيين]

ذلك أن "الإنسانيين" أضعفوا شأن الدين ومنزلته ومكانته في حياة الناس، لاسيّما في طبقة المتعلمين ومن في حكمهم من النخبة، فقد اشتهر عنهم عيشهم حياة منفلتة مع إحيائهم للتراث الوثني بكل قيمه الأخلاقية والاجتماعية، وقد ذكر هذا أبرز المؤرخين العرب للفلسفة الغربية يوسف كرم: بأن حقيقة عصر النهضة هو العودة للثقافة القديمة التي تنضح بالوثنية من كل جانب، فانتشرت بسبب ذلك الوثنية في الأفكار والأخلاق (٢)، ويقول أحد الباحثين الغربيين -برينتون-: "ولعل القارئ، إذا كان حقًا قد تأمل ما أسلفناه، قد خلص إلى فكرة مفادها أنه إذا كانت العصور الوسطى دينية في الأساس، وإذا كان عصر النهضة يعني على الأقل محاولة العودة إلى ما هو وثني أو لا ديني، إن لم يكن زندقة وإلحادًا، ألا ينبغي حينئذ ربط فنون العصور الوسطى بالكنيسة، وفنون عصر النهضة بالحرية البوهيمية التي لا تقيم وزنًا للأعراف والتقاليد. وهذا صحيح جزئيا. . . ." (٣)، فإن هذه الصورة البوهيمية -وإن كانت ليست مطلقة بحسب رأي برينتون- ستُضعف صلة الناس بالكنيسة، ومن ثمّ أغلب ما تلقوه عنها، وسهولة قبولهم لما يعارضها لاسيّما وهي حركة منتشرة في المدن الإيطالية الراقية المحبة للترف والشهرة وما يصاحب ذلك في العادة من ضعف التدين، ويؤيد هذا أن أحد مشاهير تلك المرحلة -فرنسوا رابليه- قد اختار شعارًا معبرًا لإبراشيته: "افعل ما يحلو لك" (٤).


(١) انظر: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث، رونالد ص ٢٨.
(٢) انظر: تاريخ الفلسفة الحديثة، كرم ص ٥ - ٦.
(٣) تشكيل العقل الحديث، برينتون ص ٣٦ - ٣٧.
(٤) انظر: العلم في التاريخ، برنال ٢/ ٢٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>