للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

البشر آنذاك. وقد رأينا في الفصل الأول دعواه إلى وضع ديانة إنسانية جديدة تقوم على العلم، لا تؤمن بدين، ولا برب، ولا بغيب، وإنما تؤمن بالعلم فقط، وقامت لها كنائس في بعض بلاد العالم.

أصبح العلم عند الوضعيين دليلًا على ميلاد عصر جديد، لا يقبل هذا العصر الدين والميتافيزيقا وما في بابهما، الدين الوحيد عندهم كما يزعمون هو العلم، وهم يرون أيضًا أهمية التخلص من بقايا الدين واللاهوت والميتافيزيقا، وإلا بقي الاضطراب في العقول؛ لأن العقل الذي يريد أن يجمع بين الدين الممثل لمرحلة تاريخية سابقة، وبين العلم الممثل للعصر الوضعي لابد أن يحدث له اضطراب، والجمع بين النظام اللاهوتي والنظام الوضعي غير ممكن، وتعميم اللاهوت في عصر العلم غير ممكن أيضًا، فما بقي إلا تعميم الوضعي والتخلي عما سواه (١). وقد قبلت جموع غفيرة هذه الدعوة، وانتشرت الوضعية الكونتية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وتخيلت تلك الجموع أنها وجدت التفسير العلمي المناسب لتبرير تخليها عن الدين والاكتفاء بالعلم وآيدلوجيته الوضعية.

وقد مدّت وضعية "كونت" أطرافها حتى بلغت إنجلترا أرض المذهب

التجريبي وترعرعت على أيدي "جون ستيورات مل" و"هربرت سبنسر" (٢)، وقد اشتهر الأول بوضعه تصورًا جديدًا لقواعد المنهج التجريبي الاستقرائي، واشتهر الثاني بجمعه بين الوضعية والتطورية، والجميع يزعم أنه يمثل في فلسفته وفكره روح العلم الجديدة بما في ذلك إصرارهم على رفض الدين والغيب (٣). . . . وانتهى القرن الثالث عشر/ التاسع عشر على وضعيات كثيرة ذات صلة بوضعية كونت، ومما يجمعها اعتماد الحس في المعرفة والإلحاد في الموقف من الدين وتنقية العلم كما يقولون مما يُدخله بعض الناس إليه من أوهام لاهوتية أو ميتافيزيقية، ومنهم من تفرغ لجمع "حجج تشير إلى أن العلم يؤدي ضرورة إلى


(١) انظر: منهج البحث الاجتماعي، السابق ص ٤٥، وانظر: الإيمان والمعرفة والفلسفة، د. محمَّد حسين هيكل ص ٦٦ وما بعدها.
(٢) انظر: نحو فلسفة علمية ص ٤٩.
(٣) من هؤلاء من جمع بين ما ظاهره التعارض مثل الجمع بين المادية والوضعية والحسية عند "سبنسر" وبين الإقرار بأهمية الدين، انظر: موجز تاريخ الفلسفة ص ٥٠٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>