للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الإِسلامي، ولذا فالنظر في حالها يُعبّر عن حال أغلب بلاد المسلمين، ويكشف كيف بدأت جميع الولايات الإِسلامية تفكر في التحديث، ومن ذلك البحث من جديد عن العلوم الدنيوية التي فقدتها، وأهملتها في ظل التهاون العام بأمر ديننا.

فكيف كانت حالنا في المرحلة التي تسبق طلب التحديث والإصلاح بما في ذلك طلب العلوم العصرية؟

صورتان أو إحداهما تعمّ العالم الإِسلامي آنذاك أجمعت عليها كتب التاريخ إما بلسان حالها أو بلسان مقالها، والصورتان هما: الانحراف والضعف؛ الانحراف في باب الدين ويتبع ذلك ما يرتبط به من تصورات وأعمال، والضعف في أبواب الدنيا من أمية وفقر وتخلف وضعف (١)، وإن سلم جزء من العالم الإِسلامي من إحدى الصورتين لم يسلم من الأخرى.

فأما الصورة الأولى: الانحراف في الدين، فقد انتشرت البدع في بلاد المسلمين، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالتصوف وطرقه التي لقيت دعمًا من السلطنة وانتشرت انتشارًا كبيرًا (٢)، وارتبط بها إهمال طلب العلم وعدم الحرص عليه، كما ارتبط بها عقيدة التواكل وعدم السعي في الأرض وإهمال إعمارها، وزهّدت هذه الحال أتباعها من طلب العلم الشرعي فضلًا عن العلوم الدنيوية وعلوم العمران.

ليس بإمكاننا البحث عن أسباب انتشار ظاهرة التصوف في القرون الأخيرة، إلا أن الضعف الخطير الذي دبّ في الأمة الإِسلامية ربما كان أحد أخطر الأسباب في انسحاب الكثير خلف الطرق الصوفية بما تمثله من مسهلات للخمول والكسل وعدم الحرص على بذل الجهد في طلب أسباب القوة.

ومما يلفت النظر بأن التصوف قد انتشر في المناطق التي احتكت مباشرة بالحضارة الغربية، مثل عاصمة الدولة العثمانية ومصر وبلاد المغرب، وقل مثل


(١) انظر مثلًا: واقعنا المعاصر، محمَّد قطب ص ١٦٥ وما بعدها، وانظر: الانحرافات العقدية والعلمية في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين وأثرها في حياة الأمة، علي الزهراني ص ٢٣ - ٧٥.
(٢) انظر: الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة (١٧٩٨ - ١٩١٤ م)، علي محافظة ص ١٦ - ٢٠، وانظر: الفكر الصوفي في ضوء الكتاب والسنة، عبد الرحمن عبد الخالق ص ٥٢ - ٥٣ وكذا بقية فصول الكتاب لعنايتها بالتصوف في العصور الأخيرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>