للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

إلى الجزائر بعد ثلاثين سنة (١٨٣٠ م) لتحتلها وتبقى فيها فترة احتلال طويلة لتكون نقطة انطلاق لبقية المغرب، أما مصر فقد جاءها البريطانيون سنة (١٨٨٢ م) ليتخذوها مركزًا لنشاطهم في القسم العربي من العالم الإِسلامي، وتكون مع فرنسا أخطر دولتين استعماريتين في العصر الحديث، وكانت الدولتان تعيان أهمية السيطرة على التعليم، لهذا جعلته مركز عنايتها في أثناء الاستعمار، وسنرى الآن أن الاستعمار قد صنع نظامًا تعليميًا خطيرًا ما زالت الأمة تعاني منه إلى اليوم.

يذكر "ساطع الحصري" وهو أحد القريبين من مجال التعليم آنذاك بأننا إذا أردنا أن نعرف حقيقة التعليم الاستعماري فعلينا معرفة غايته، حيث "اعتاد علماء الاجتماع أن يقسموا المستعمرات إلى ثلاثة أنواع أساسية: (أ) مستعمرات الاتجار، (ب) مستعمرات الاستغلال، (ج) مستعمرات الاستيطان" يركز الأول على احتلال منفذٍ على بلدٍ ما قصد التجارة، فيكون منفذهم على هذا البلد في أبواب التجارة واحتكارها، لكنهم بعد ذلك يتوسعون قصد السيطرة على ثروات البلاد فيدخلون إلى مركزها وهذا هو "الاستغلال"، وعندما يعجبهم الوضع يتحولون إلى فكرة الاستيطان في هذا البلد فيهيئون البلد بما يجعله مناسبًا لاستقطاب بني جنسهم إليه والتمتع بثرواته وقيادته (١). مثال الاتجار ما حدث مع الصين، ومثال الاستغلال ما حدث مع الهند، ومثال الاستيطان ما حدث مع الجزائر.

لا تهتم دول الاستعمار بالتعليم في الحالة الأولى بخلاف الحالتين الأخيرتين، ففي مستعمرات الاستغلال تحرص على وضع تعليم ينتج لها الأيدي العاملة في مصانعها وشركاتها وكل مؤسساتها الاستغلالية، أما الثاني فيزيد على الأول بإيجاد مجتمع يقبل بهذه الجرثومة التي اخترقت هذا الجسد، وهي التي أطلق عليها "مالك بن بني": "القابلية للاستعمار" (٢)، وحللها في مجموعة من كتبه بعد أن عايشها في الجزائر.

كان المنظرون للاستعمار يعرفون أهمية التعليم وخطورة التعليم الإِسلامي، ولذا اهتموا بإقصاء الإِسلامي وصناعة تعليم يخدمهم، يقول "اللورد لويد" في


(١) انظر: أحاديث في التربية والاجتماع، ساطع الحصري ص ٨٣ - ٨٥.
(٢) انظر له مثلًا: شروط النهضة ص ١٤٣ وما بعدها.

<<  <  ج: ص:  >  >>