للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

للبحث العلمي والموضوعية؛ إذا كانت تلك القيم ذات أصل إسلامي تلزم تصوراته وتوجيهاته.

والعجيب أن نجد من يتجاوز الكلام عن موضوعية العلم إلى اتهام الحضارة الإِسلامية بأثر القيم على ضعفها العقلي كما يوحي بذلك كلام الدكتور محمَّد الجابري الذي يقول: "إن المعطيات السابقة تجعلنا، من الناحية المبدئية على الأقل، في وضع يسمح لنا بالقول: إن "العقل العربي" تحكمه النظرة المعيارية إلى الأشياء. ونحن نقصد بالنظرة المعيارية ذلك الاتجاه في التفكير الذي يبحث للأشياء عن مكانها وموقعها في منظومة القيم التي يتخذها ذلك التفكير مرجعًا له ومرتكزًا. وهذا في مقابل النظرة الموضوعية التي تبحث في الأشياء عن مكوناتها الذاتية وتحاول الكشف عما هو جوهري فيها. إن النظرة المعيارية نظرة اختزالية، تختصر الشيء في قيمته، ومن ثمّ في المعنى الذي يضفيه عليه الشخص "والمجتمع والثقافة" صاحب تلك النظرة. أما النظرة الموضوعية فهي نظره تحليلية تركيبية: تحلل الشيء إلى عناصره الأساسية لتعيد بناءه بشكل يبرز ما هو جوهري فيه" (١)، وهو بهذا يُعلي من العقل الأوروبي الموضوعي على حساب العقل العربي القيمي غير الموضوعي، العقل الأوروبي عقل موضوعي؛ لأنه لا يهتم بالقيم والأخلاق بخلاف العقل العربي، وكما يقول د. هشام غصيب: "ومن هذا المنظور، فإن العقل الأوروبي يتميز في أنه يتصور ذاته أداة لإدراك آليات الموضوع "الطبيعية بخاصة" وأسبابه. أما العقل العربي فيتصور ذاته أداة أخلاقية لضبط سلوك البشر في اتجاه مرضاة الله وتعزيزًا للإيمان بالله. ." (٢)، ولا يختلف غصيب كثيرًا عن الجابري -رغم نقده له-؛ لأن هناك تعزيزًا لاتهام الحضارة الإِسلامية بأنها تُقدم الأخلاق على العقل مع أن الحضارة الإِسلامية تربط الأخلاق والعقل ولا ترى تعارضًا حقيقيًا بينهما، والحقيقة العلمية لا تتعارض مع القيمة الأخلاقية في التصور الإسلامي.

وإن ما توصل إليه الجابري -في الكلام السابق- من كون الحضارة


(١) تكون العقل العربي، د. محمَّد الجابري ص ٣١ - ٣٢.
(٢) هل هناك عقل عربي؟. . . . د. هشام غصيب ص ٧٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>