للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأول هو الأبرز في فلسفة العلم العلمانية وهو القول بحتمية الطبيعة.

ويقع الانحراف هنا من طرفين مغاليين في باب السببية، طرف جعل الكون لعبة يمكن إحداث التغيير فيه بيسر وسهولة، وهذا مثل ما يزعمه أهل الكرامات الصوفية في كل أمم الأرض، حيث ينسبون لأشخاصٍ أبوابًا عجيبة من القدرة (١)، ويصبح الكون في أيديهم ألعوبة، وتكثر عندهم الحكايات الخرافية حول إحداث تغييرات مدهشة. يقابلهم قوم غلوا في الحتمية ومنع الجواز، وجعلوا أي خرق لحتمية الطبيعة من باب المستحيلات، وكل خرق حتى ولو كان من معجزات الأنبياء، فهو غير صحيح ومخالف للعلم، وأصبح الكون معهم آلة صماء عمياء، ولا يقدر أحد على فعل شيء فيها ولو كان من خلقها.

وأصحاب الموقف الثاني هم المقصود، فماذا تعني الحتمية أولًا؟ "الحتمية العلمية مبدأ يفيد عمومية القوانين الطبيعية، وثبوتها واطرادها. فلا تخلف ولا مصادفة. إذ يعني: أن نظام الكون ثابت شامل مطرد"، والحتمية في الطبيعة تمنع الجواز والإمكان، بل كل ما فيها ضروري، ولما كانت الضرورة تعني استحالة النقيض، كانت الحتمية العلمية تعني أن كل ما يحدث لابد وأن يحدث، ويستحيل أن يحدث سواه (٢).

مدخل المشكلات في الباب:

يأتي الانحراف في باب المعجزات من الانحراف في باب الإيمان بالله، ويأتي من أصلين خطيرين: من الإلحاد، أو من فساد التصور حول الربوبية، لاسيّما في باب قدرة الرب سبحانه.

[١]- أما الملحد فقد قطع الطريق على نفسه، وأفسد عليها حياتها بإنكاره الحقيقة المطلقة. وقد اشتهر الإلحاد داخل الفكر الغربي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وإن كان قد عرف من قبل، وارتبط غالبًا بالفلسفات المادية، وتبنى


(١) لا يدخل في هذا الباب كرامات أولياء الله الصالحين، وإنما المقصود تلك الأعاجيب التي نجدها عند غلاة المتصوفة والقبوريين والباطنيين وأمثالهم، وهي معروفة عند النصارى حول رهبانهم وقديسيهم، وعند غيرهم.
(٢) انظر: فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية، د. يمنى الخولي ص ٥٦ - ٥٧، وانظر: موسوعة بدوي ٢/ ٤٥٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>