للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومن المفيد هنا إبداء وجهة نظر تستدعيها هذه الأحداث حول النسبية عمومًا وحول نسبية النظريتين المفسرتين لحركة الأجرام السماوية: فإذا كان هذا النزاع حول النظريتين ما زال قائمًا داخل الإطار العلمي فضلًا عن الفلسفي والفكري، فلماذا يُصرّ قوم على إعطاء حكم مطلق بصحة إحداهما ولاسيّما نظرية كوبرنيكوس! ألم يكن من الأفضل القول بأن هذه النظرية القصد منها التفسير، وأنها أيسر في شرح الظواهر الكونية وحركة الأجرام السماوية، على أنها ليست هي الحكم النهائي والمطلق؛ لأن هذا في ظل المستجدات النظرية أصبح صعبًا. وهذا يُظهر في الوقت نفسه حجم الخطأ الذي مارسه تيار عريض في الفكر الحديث عند قيامه باستثمار نظرية الفلك الحديثة في ادعاء كذب أو خطأ العقائد الدينية حول الظواهر الكونية، ويظهر حجم الأهواء في ذلك أيضًا، فمن المهم قبل وضع تلك النظريات في مواجهة الدين التحقق من كل جوانبها.

ووجهة النظر هذه خاصة بأولئك القوم الذين فرحوا بتلك النظريات، وادعوا أنها حقائق مطلقة واستثمروها في التشكيك بأمور دينية، بزعمهم وجود تعارض بين حقائق العلم والدين، وينثرون النظريات العلمية حول الكون باستسهال عجيب ولاسيّما ممن هم خارج دائرة التخصص العلمي، وإذا بالأمر أعقد من ذلك بكثير وأعسر مما تصوروه، وأن أمامهم مهمة كبيرة لابد من إنجازها قبل زعم التعارض، وهي إثبات أن النظرية حق مطلق، ثم إثبات أن الدين يقول بهذا الأمر المخالف، ومن ثم إثبات عدم إمكانية الجمع بينهما، ولكن الأمر مع أصحاب الأهواء عكس ذلك، فهم ما إن يروا ما يناسبهم حتى تجدهم من المسارعين في الخوض فيه دون إعطاء الأمر حقه من التبيّن والتحقق العلمي.

٢ - انهيار الآمال الجميلة حول العلم:

رأينا في القرن التاسع عشر (١٣ هـ) نزعة وضعية ترى بأن مستقبل البشرية هو مع العلم، وأن التقدم أمر حتمي يرتبط بتجاوز الدين والميتافيزيقا نحو العلم، وأن العلم سيحل كل المشاكل المعيقة للحياة السعيدة، وسيجيب عن كل الأسئلة المحيرة.

وقد تقبل البعض وعلى مضض الحضيض الذي وضعت الدارونية الإنسان فيه في النصف الثاني من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، على أمل أن العلم

<<  <  ج: ص:  >  >>