للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كان ما يذكرونه مجملًا فيه الحق، وهو الغالب على الصابئة المبدلين، مثل أرسطو وأتباعه وعلى من اتبعهم من الآخرين، قُبِلَ الحق ورد الباطل. . . ." (١).

بعض عناصر رؤية شيخ الإِسلام حول العلوم البشرية ومناهجها:

والحق أن تفصيل موقف شيخ الإِسلام حول هذا الموضوع يحتاج لدراسات متخصصة، والمقصد هنا إعطاء خطوط عامة عن المهمة التي قام بها مجدد زمانه شيخ الإِسلام -رحمه الله-، وتفيدنا في باب العلوم البشرية والعلوم النافعة الموجودة عند الأمم الأخرى، فبعد أن رأينا الموقف الإجمالي نتوقف مع بعض عناصره التي تُعدّ من أساسيات النهضة العلمية الحديثة داخل الحضارة الأوروبية، إلا أن تلك الحضارة أزالت عنها روحها بسبب إيغالها في المادية وتبنيها العلمنة. وليس المراد هنا إثبات سبق شيخ الإِسلام إلى إنجازات غيرنا فقط، وإنما المراد أن حضارتنا الإِسلامية كان بإمكانها أن تنطلق بمقوماتها الذاتية، وأن تستفيد مما عند الأمم الأخرى بعد تبيئتها بما يناسب حضارتنا وهويتنا. ومن العناصر التي سأقف معها وكانت من أساسيات النهضة الحديثة في العلوم ما يأتي:

١ - الابتعاد عن المنهج الصوري وتبعاته والحرص على المنهج التجريبي وثمراته.

عرف ذلك من الفقرة الأولى في المنهج، ونراه أيضًا في موضوعات العلوم، ولذا نجده يعترض على التقسيم السائد للعلوم عند الفلاسفة فيقول: "إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي، وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي. والإلهي أشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج، ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن الإنسان لا يتصور إلا شكلًا مدورًا أو مثلثًا أو مربعًا -ولو تصور كل ما في إقليدس- أو لا يتصور إلا أعدادًا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج. . . ." (٢). وقد عُرض في الفصول الأولى من هذا الباب أن أعظم مهمة قام بها علماء أوروبا هو الانتقال من الموضوعات الصورية إلى الحسية


(١) نقض المنطق ص ٩٦ - ٩٧، وهو في الفتاوى ٤/ ١١٣ - ١١٥.
(٢) الفتاوى ٩/ ١٢٥ - ١٢٦.

<<  <  ج: ص:  >  >>