للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والإلحاد والكفر، وتكون عاقبته مأساوية في الغالب، وهنا ظهرت عقبة التجاوز لتركة أرسطو (١)، فهي مهمة شاقة بل شبه مستحيلة لأهل ذلك العصر؛ لأن من يحاول تجاوز ذلك فهو إنما يتجاوز ما يظنّونه عقيدة إلهية.

وما سبق يكشف بأن تجاوز ذلك الفكر لن يتم إلا بثورة كبيرة تكسر الماضي وتحلّ محلّه، ولا يكفي أن تكون ثورة سياسية أو اجتماعية؛ بل هم بحاجة لثورة علمية وفكرية؛ وذلك أن الثورة السياسية أو الاجتماعية ممكنة الحدوث هنا أو هناك لارتباطها بأنظمة لا تدّعي الحقيقة غالبًا بقدر ما تهمها السلطة، أما الثورة العلمية فلا يمكن تحققها إلا بوجود قوتها الخاصة بها المتمثلة في الأدلة الكافية التي تكشف بأن ما كان يعتقده الناس علمًا ليس بعلم. هكذا، أصبح الإرث الأرسطي عائقًا من تقدم العلم وفي الوقت نفسه لم يستطع أحد تجاوزه، ومما يعمق الأزمة عدم إحساس الكثير بأنه عائق سوى قلة من العلماء والمفكرين.

ومن باب المقارنة فإننا نجد بأن نفس الفترة التي قام فيها "توما الأكويني" بحبس الديانة النصرانية والفكر الأوروبي في التركة الأرسطية؛ نجد في بلاد المسلمين عَلَمًا بارزًا وإمامًا عظيمًا يجتهد في إنقاذ البشرية من هذه التركة لا في صورتها اللاهوتية والميتافيزيقية فحسب، بل ومن منهجها العلمي والعقلي لما فيه من نقص وضرر، وذلك العَلَم هو ابن تيمية - رحمه الله - (٢). فنراه على سبيل المثال يقول في أهم الآلات العلمية الأرسطية وهي المنطق: "وأيضًا لا تجد أحدًا من أهل الأرض حقق علمًا من العلوم وصار فيه إمامًا مستعينًا بصناعة المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحساب والكتاب ونحوهم يحققون ما يحققون من علومهم وصناعاتهم بغير صناعة المنطق" (٣)، ويقول أيضًا: "فإن


(١) لقد ركز "برنال" على إيضاح كثير من المحاولات لتجاوز هذا الإرث الأرسطي لاسيما الجانب العلمي منه، وبين الصعوبات الكبيرة التي جابهت العلماء في ذلك، ولا تخفى ميوله الماركسية؛ ولذا فهو يفرح بكل ما يعارض الدين، انظر كتابه: العلم في التاريخ، المجلد الثاني: الفصل السابع كاملًا، والتفكير العلمي، فؤاد زكريا ص ١٦٠ - ١٦٢.
(٢) كانت ولادته - رحمه الله - قبل وفاة توما الأكويني بعشر سنوات تقريبًا، فابن تيمية عاش بين عامي (٦٦١ - ٧٢٨ هـ) (١٢٦٣ - ١٣٢٨ م)، وتوما عاش بين عامي (١٢٢٤ - ١٢٧٤ م).
(٣) نقض المنطق، ابن تيمية ص ١٦٨، تحقيق محمد الفقي.

<<  <  ج: ص:  >  >>