للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

دالٌّ على فقر صاحب الاختيار إلى ذلك الشيء المختار، ومن كان فقيرًا إلى شيء لم يُرِده اللَّه عزَّ وجلَّ لم يُطلَق عليه اسمُ الغني بتدبير اللَّه عزَّ وجلَّ. فلا يتمُّ الغنى بتدبير الربِّ عزَّ وجلَّ لعبده إلا بالمسالمة لحكمه بعد الوقوف على حسن تدبيره.

ثمَّ يبقى عليه الخلاصُ من معنى آخر، وهو مخاصمة الخلق بعد الخلاص من منازعة الربِّ. فإنَّ مخاصمة (١) الخلق دليلٌ على فقره إلى الأمرِ الذي وقعت فيه الخصومة من الحظوظ العاجلة، ومن كان فقيرًا إلى حظٍّ من الحظوظ، يسخَط (٢) لفوته، ويخاصم الخلقَ عليه، لا يطلق عليه اسم الغني حتَّى يسلم الخلق من خصومته لكمال (٣) تفويضه إلى وليّه وقيومه ومتولي تدبيره.

فمتى سلم العبد من علة فقره إلى السبب، ومن علَّة منازعته لأحكام اللَّه عزَّ وجلَّ، ومن علة مخاصمته للخلق على حظوظ = استحقَّ أن يكون غنيًّا بتدبير مولاه، مفوِّضًا إليه، لا يفتقر قلبه إلى غيره، ولا يسخط شيئًا من أحكامه، ولا يخاصم عباده إلا في حقوق ربه؛ فتكون مخاصمته للَّه وباللَّه، ومحاكمته إلى اللَّه؛ كما كان النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول في استفتاح صلاة الليل: "اللهُمَّ لكَ أسلمتُ وبك آمنتُ، وعليك توكلتُ، وإليك أنبتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ" (٤).


(١) "ك، ط": "منازعة".
(٢) "ك": "ينحط"، تحريف.
(٣) "ك، ط": "بكمال".
(٤) أخرجه البخاري في كتاب التهجد (١١٢٠)، ومسلم في صلاة المسافرين (٧٦٩) من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما.