للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

علمه، كما قال الإمام أحمد: "التوكّل عمل القلب" (١)؛ ولكن لا بدَّ ف يه من العلم، وهو إمَّا شرط فيه، وإمَّا جزءٌ من ماهيّته.

والمقصود أنَّ القلب متى كان على الحقِّ كان أعظمَ لطمأنينته، ووثوقه بأنَّ اللَّه وليّه وناصره، وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكّل على ربِّه؟ وإذا كان على الباطل علمًا وعملًا أو أحدهما لم يكن مطمئنًّا واثقًا بربِّه، فإنَّه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده؛ فإنَّ اللَّه سبحانه لا يتولّى الباطل ولا ينصره، ولا يُنسب إليه بوجه، فهو منقطع النسبة (٢) إليه بالكليّة. فإنَّه سبحانه هو الحق (٣)، وقوله الحقّ، ودينه الحقّ، ووعده حقّ، ولقاؤه حقّ، وفعله كلّه حقّ. ليس في أفعاله شيء باطل، بل أفعاله بريئة من الباطل، كما أقواله سبحانه كذلك (٤). فلمَّا كان الباطل لا يتعلّق به سبحانه، بل هو مقطوع عنه (٥) البتّة، كان صاحبه كذلك. ومن لم يكن له تعلّق باللَّه (٦)، وكان منقطعًا عن ربّه، لم يكن اللَّه وليّه ولا ناصره ولا وكيله.

فتدبّر هذا السرّ العظيم في اقتران التوكّل والكفاية بالحقّ والهدى،


(١) كذا نسبه المؤلف هنا وفي مدارج السالكين (٢/ ١٤٢) إلى الإمام أحمد. وهو من كلام الجنيد فيما ذكر القشيري، قال: "وقال الجنيد في جوابات مسائل الشاميين: التوكّل عمل القلب، والتوحيد قول القلب" انظر: الرسالة (٤٧). وقد نقله شيخ الإسلام عن القشيري في الاستقامة (١/ ٢٠٩).
(٢) "ك، ط": "النسب".
(٣) "ك، ط": "الموفق".
(٤) "ب": "كما أقواله بريئة منه".
(٥) "عنه" ساقط من "ب، ك، ط".
(٦) "ك، ط": "باللَّه العظيم".