للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وارتباط أحدهما بالآخر، ولو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السَّرِيّة (١) لكانت حقيقةً أن تودَع في خزانة القلب؛ لشدَّة الحاجة إليها. واللَّه المستعان وعليه التكلان.

فظهر أنَّ التوكّل أصلٌ لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأنَّ منزلته منها منزلة الجسد من الرأس. فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكّل. واللَّه أعلم.

الوجه الثاني: أنَّ قوله في التوكّل: "إنَّه في طريق الخواص عمًى عن الكفاية، ورجوع إلى الأسباب. . " إلى آخر كلامه، مضمونه أنَّ التوكّل لا يتمّ إلا برفض الأسباب، والإعراض عنها جملةً؛ والتوكّل من أقوى الأسباب وأعظمها في حصول المطلوب، فكأنَّه قد رفض سببًا، وتعلق بسبب، وقد ناقض في أمره. ولهذا قال: "فصار بدلًا عن تلك الأسباب، فكأنَّك (٢) تعلَّقت بما رفضتَه". فهذه هي النكتة التي لأجلها صار التوكّل عنده من منازل العوامّ. وهذه هي عين (٣) مسألة الجمع بين التوكّل والسبب، بل هذه مسألة تعليل نفس التوكّل.

فيقال: قولك: "إنَّه عمًى عن الكفاية" ليس كذلك، بل هو نظرٌ إلى نفس الكفاية وملاحظةٌ لها. ولا ريب أنَّ الكفاية من اللَّه لا تُنال إلا بأسبابها من عبوديّته، وسببُها المقتضي لها هو التوكّل، كما قال اللَّه


(١) أي: الشريفة الجليلة.
(٢) "ب، ك، ط": "وكأنك".
(٣) رسمها في الأصل يشبه "غير"، وكذا في "ف" وغيرها. ولكن السياق يقتضي ما أثبتنا.