للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد أشارَ تعالى إلى هذا المعنى بقوله: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)} [الأنعام/ ٥٣] فأخبر سبحانه أنَّه أعلمُ بمن يعرف قدرَ هذه النعمة ويشكره عليها. فإنَّ أصلَ الشكر هو الاعترافُ بإنعام المنعم على وجه الخضوع له والذل والمحبة، فمن لم يعرف النعمة بل كان جاهلًا بها لم يشكرها؛ ومن عرفها ولم يعرف (١) المنعمَ بها لم يشكرها أيضًا؛ ومن عرفَ النعمة والمنعم لكن جحَدها كما يجحد المنكِر لنعمة المنعِم عليه (٢) فقد كفرها. ومن عرف النعمةَ والمنعِمَ، وأقرَّ بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له، ويحبَّه، ويرضَ به (٣) وعنه، لم يشكرها أيضًا. ومن عرفها، وعرف المنعِم بها، وأقرّ بها (٤)، وخضعَ للمنعم بها، وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته فهذا هو الشاكر لها.

فلا بُدَّ في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له، كما في صحيح البخاري (٥) عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: "سيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهم أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذُ بك من شر ما صنعتُ، أبوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي فإنَّه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالها إذا أصبح موقنًا


(١) قوله: "النعمة بل" إلى هنا سقط من "ك" لانتقال النظر.
(٢) "ك، ط": "عليه بها".
(٣) "ف": "يرضى". قراءة محتملة. وإثبات حرف العلّة في موقع الجزم لغة لبعض العرب. انظر: شواهد التوضيح (٢١).
(٤) "وأقرَّ بها" ساقط من "ط".
(٥) كتاب الدعوات (٦٣٠٦، ٦٣٢٣)، وسيأتي مرة أخرى مع تفسيره في (٣٥٢).