للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الوجه الرَّابع: أنَّ قوله: "لأنَّك رفضتَ الأسباب ووقفتَ مع التوكّل" إن أراد به رفض الأسباب جملةً، فهذا كما أنَّه ممتنع عقلًا وحسًّا، فهو محرَّم شرعًا ودينًا، فإنَّ رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين. وإن أراد به. رفضَ الوقوف معها والوثوقِ بها، وأنَّه يقوم بها قيامَ ناظرٍ إلى مسبِّبها (١)، فهذا حقّ؛ ولكنّ النقص لا يكون في السبب ولا في القيام به، وإنَّما يكون في الإعراض عن المسبِّب تعالى، كما تقدّم. فمنعُ الأسباب أن تكون أسبابًا قدحٌ في العقل والشرع. وإثباتُها والوقوفُ معها وقطعُ النظر عن مسبِّبها قدحٌ في التوحيد والتوكّل. والقيامُ بها، وتنزيلُها منازلَها، والنظرُ إلى مسبِّبها، وتعلُّق القيام به = جمعٌ بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر؛ وهو الكمال، واللَّه أعلم.

الوجه الخامس: قوله: "فصار التوكّل بدلًا عن تلك الأسباب". هذا حقّ، فإنَّ التوكّل من أعظم الأسباب، ولكنَّه بدل عنها؛ كما تكون الطاعة بدلًا عن المعصية، والتوحيد بدلًا عن الشرك. فهو بدل واجب، مأمور به، مطلوب من العبد. والمذموم أن يجعل العبدُ الأسبابَ بدلًا عن التوكّل، لا أن يجعل التوكّلَ بدلًا عن الأسباب.

الوجه السادس: قوله: "فكأنَّك تعلَّقَت (٢) بما رفضتَه من حيث معتقدك الانفصال" ليس كذلك، فإنَّ المرِفوض هو التعلّق بغير اللَّه والالتفات إلى سواه (٣)، فهذا هو الذي رفَضه. وأمَّا الذي تعلّق به فهو


(١) في "ط": "إلى سببها"، وهو خطأ. وعطف "أنَّه يقوم" على "رفضَ".
(٢) كذا نقل هنا وفي الوجه الثاني. ولفظه في أول الفصل: "فكأنّك معلّق".
(٣) "ف": "إلى ما سواه"، خلاف الأصل.