للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فمتى (١) انحلَّ من القلب انحلَّ نظامُ التوحيد. فسبحان من لا يوصَل إليه إلا به، ولا يطاع إلا بمشيئته، ولا يُنال ما عنده من كرامته (٢) إلا بطاعته، ولا سبيل إلى طاعته إلا بتوفيقه ومعونته. فعاد الأمرُ كلُّه إليه، كما ابتدأ الأمرُ كلّه منه، فهو الأوَّل والآخر، وإنَّ إلى ربك المنتهى.

ومن وصل إلى هذا الحال وقع في يد التقطع والتجريد، وأشرف على مقام التوحيد الخاصِّي. فإنَّ التوحيد نوعان: عامِّي وخاصِّي، كما أن الصلاة نوعان، والذكر نوعان، وسائر القُرَب كذلك خاصِّيَّة وعامِّية. فالخاصِّيَّة ما بذل فيها العاملُ نصحَه وقصدَه بحيث يوقعها على أحسن الوجوه وأكملها، والعامية ما لم يكن كذلك. فالمسلمون كلهم مشتركون في إتيانهم بشهادة أن لا إله إلا اللَّه، وتفاوتُهم في معرفتهم بمضمون هذه الشهادة وقيامهم بحقِّها (٣) باطنًا وظاهرًا أمرٌ لا يحصيه إلا اللَّه عزَّ وجلَّ.

وقد ظنَّ كثيرٌ من الصوفية أنَّ التوحيد الخاص (٤) أن يشهد العبدُ المحرِّكَ له، ويغيبَ عن المتحرك وعن الحركة، فيغيبَ بشاهده (٥) عن حركته، فيشهدَ (٦) نفسَه شبحًا فانيًا تجري عليه (٧) تصاريف المشيئة، كمن غرق في البحر فأمواجه ترفعُه طورًا وتخفضه طورًا، فهو غائب بها


(١) "ك، ط": "ومتى".
(٢) "ك، ط": "الكرامة".
(٣) "بحقها": ساقط من "ط".
(٤) "ط": "الخاصي".
(٥) "ط": "بشهوده".
(٦) "ط": "ويشهد".
(٧) "ك، ط": "يجري على".