للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

المرتبة الثانية: شكره عليها كشكره على النعم. وهذا فوق الرضا عنه بها. ومنه ينتقل إلى هذه المرتبة، فهذه مرتبتان لأهل هذا الشأن.

والثالثة (١): للمقتصدين وهي مرتبة الصبر التي إذا نزل منها نزل إلى نقصان الإيمان وفواته، من التسخّط والتشكّي، واستبطاء الفرج، واليأس من الرَّوح، والجزَع الذي لا يفيد إلا فواتَ الأجر وتضاعُف المصيبة. فالصبر أوَّل منازل الإيمان ودرجاته، وأوسطها، وآخرها؛ فإنَّ صاحب الرضا والشكر لا يعدم الصبرَ في مرتبته، بل الصبر معه، وبه يتحقّق الرضا والشكر، لا تصوُّرَ (٢) ولا تحقّقَ لهما دونه.

وهكذا كلّ مقام مع الذي فوقه، كالتوكّل مع الرضا، وكالخوف والرجاءِ مع الحبِّ، فإنَّ المقام الأوَّل لا ينعدم بالترقّي إلى الآخر -ولو عُدِم لخلفه ضدُّه، وذلك رجوع إلى نقص الطبيعة وصفات النفس المذمومة- وإنَّما يندرج حكمُه في المقام الذي هو (٣) أعلى منه، فيصير الحكم له، كما يندرج مقام التوكّل في مقام المحبّة والرضا. وليس هذا كمنازل سير الأبدان الذي إذا قطع منها منزلًا خلَّفه وراءَ ظهره، واستقبل المنزل الآخر معرضًا عن الأوَّل تاركًا له (٤). بل هذا بمنزلة (٥) التَّاجر الذي كلَّما باع شيئًا من ماله وربح فيه، ثمَّ باع الثاني وربح، فقد ربح بهما معًا، وهكذا أبدًا يكون ربحُه في كلِّ صفقة متضاعفًا بانضمامه إلى


(١) "ب": "المرتبة الثالثة".
(٢) "ب": "ولا يتصوّر".
(٣) "هو" ساقط من "ب، ك، ط".
(٤) "ك، ط": "بارتحاله"، تحريف.
(٥) "ك، ط": "كمنزلة"، تحريف.