للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وسمَّى ذلك الإنفاقَ قرضًا (١) حثًّا للنفوس وبعثًا لها على البذل، لأنَّ الباذل متى علم أنَّ عين ماله يعود إليه ولا بدَّ، طوَّعت له نفسُه بذلَه، وسهُل عليه إخراجُه. فإن علم أنَّ المستقرض مليٌّ وفيٌّ محسنٌ كان أبلغ في طيب قلبه وسماحة نفسه. فإن علم أنَّ المستقرض يتَّجر له بما أقرضه (٢)، وينمّيه له، ويثمِّره حتى يصير أضعاف ما بذله، كان بالقرض أسمحَ وأسمحَ. فإن علم أنَّه مع ذلك كلّه يزيده من فضله وعطائه أجرًا آخرَ من غير جنس القرض، وأنَّ ذلك الأجر حظٌّ عظيم وعطاءٌ كريم، فإنَّه لا يتخلَّف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشحّ أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ضعف إيمانه؛ ولهذا كانت الصدقة برهانًا لصاحبها.

وهذه الأمور كلّها تحت هذه الألفاظ التي تضمّنتها الآية، فإنَّه سبحانه سمَّاه قرضًا، وأخبر أنَّه هو المقترض لا قرضَ حاجةٍ ولكن قرضَ إحسانٍ إلى المقرض، واستدعاءً لمعاملته ليعرف (٣) مقدار الربح، فهو الذي أعطاه ماله، واستدعى منه معاملته به. ثمَّ أخبر عمَّا يرجع إليه بالقرض وهو الأضعاف المضاعفة. ثمَّ أخبر عما يعطيه فوق ذلك من الزيادة، وهو الأجر الكريم.

وحيث جاءَ هذا الإقراض (٤) في القرآن قيَّده بكونه حسنًا، وذلك يجمع أمورًا ثلاثة: أحدها: أن يكون من طيِّب ماله، لا من رديئه


(١) "ب، ك، ط": "قرضًا حسنًا".
(٢) "ك، ط": "اقترضه".
(٣) "ك، ط": "وليعرف".
(٤) "ط": "القرض".