للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فكل تغير في العادات أو الأعراف هدمته الشريعة فلا اعتبار له، ولا وزن له؛ فإذا صار عُرف الناس في بلاد ما اتباع كل ناعق، أو مسايرة كل صيحة، أو صرعة غربية؛ فإن هذا هو العرف الفاسد الذي لا قيمة له.

وعلى سبيل المثال: إذا كان من عادة الغرب ابتذال المرأة وإهانتها على نحو ما يرى من بيعها في أسواق النخاسة العالمية، وإجبارها على ممارسة أعمال تنافي طبيعتها وخلقتها؛ فإن هذا العرف إذا انتقل إلينا لا يبيح عري المرأة ولا اختلاطها بشكل مستهتر بالرجل؛ فإن النصوص الشرعية المتضافرة تمنع ذلك، وتقطع سبيله.

ونختم قولنا -مكرِّرِين-: إن الأحكام الثابتة بناء على النص لا تتغير أحكامها؛ لأن النص أقوى من العرف؛ إذ لا يحتمل أن يكون مستندًا على باطل بخلاف العرف والعادة فقد تكون مبنية على باطل (١).

فيتعين مراعاة مراتب الأدلة الشرعية ومراتب التعليل في الأحكام الشرعية، وترتيب الأدلة على حسب قوتها، فلا يصح أن تختلط مستويات الأدلة، فإذا وُجِدَ النصُّ فلا مساغ للاجتهاد مع وجود النص، وكذلك لا اعتبار للمصلحة مع وجود النص، وإذا سبق الإجماع فلا اعتبار للعرف الطارئ، وهكذا.

الضابط الثاني: أن يكون التغير موافقًا لمقاصد الشريعة:

التدابير التي تتطلبها مصالح الناس في زمن ما إذا لم تُحقق الغرض منها في زمن آخر بسبب تغير الظروف- فإنه لا مانع شرعًا من استحداث تدابير جديدة تلائم الظروف الجديدة، وبالتالي يتغير الحكم تبعًا لذلك؛ إذ المعول عليه في ذلك هو موافقة مقاصد الشريعة في تحقيق مصالح الناس سواء بجلب المصلحة، أو دفع المفسدة.

يقول ابن عقيل (٢): "السياسة ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح،


(١) درر الحكام شرح مجلة الأحكام، لعلي حيدر، (١/ ٤٧ - ٤٨).
(٢) أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله، البغدادي، الظفري، الحنبلي المتكلم، صاحب =

<<  <  ج: ص:  >  >>