للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الزكاة؛ لعدم توافر سببه، فلو عاد دور المؤلفة قلوبهم في إعزاز الدين فإنه ينبغي أن يعود لهم سهمهم، غير أن الأحكام التي تتغير لتغير مصلحتها لا يجوز أن يقوم بالنظر والاجتهاد فيها إلا من بلغ درجة الاجتهاد. . . وضمانة لعدم استغلال هذه القاعدة في تعطيل شرع الله بذريعة تغير المصلحة، يجب أن يكون الاجتهاد في هذا النوع من الأحكام اجتهاداً جماعيًّا؛ لكونه أكثر ضمانة في التحري عن المصلحة وتغيرها، وأكثر دقة في الابتعاد عن الهوى، وأكثر إصابة للحق وعدم الأخذ بمجرد توهم التغير، بينما في الاجتهاد الفردي قد يستغله من يريد تعطيل شرع الله، أو من يسيطر عليه هواه في التخلص والتمرد على أحكام الشريعة بذريعة تغيرها لتغير المصلحة التي جاءت لعلاجها (١).

كذا يطلب الاجتهاد الجماعي فيما يتغير الحكم فيه لتغير حال محكومه زمانًا أو مكانًا.

فالأحكام الشرعية جاءت لمعالجة أوضاع الأمة بما يحقق مصالحها الدنيوية والأخروية، وهذه الأحكام تنزل على محلاتها طالما توفر في ذلك المحل أركانه وشرائطه وأسبابه؛ فإن تغير شيء منها نتيجة تغيرات زمنية أو مكانية، توقف إجراء ذلك الحكم لتغير محله، فإذا ما عاد لذلك المحل كامل صفاته الموجبة لإنزال الحكم عاد الحكم وأنزل على محله (٢).

والتغير هنا ليس تغيرًا في الحكم، وإنما هو تغير في مناط الحكم، ومثل هذا لا يعد تغييرًا ولا تبديلًا إذا ما روعي في كل حادثة الظروف والملابسات التي لها صلة بالحكم، فإذا تغيرت الظروف والملابسات المحيطة بالواقعة تغيرت بذلك المسألة وتبدل وجهها، وكانت مسألة أخرى اقتضت حكمًا آخر لها (٣).

وقد رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن قطع الأيدي في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو


(١) الاجتهاد الجماعي، د. عبد المجيد محمد السوسوه، (ص ١١٧ - ١١٨).
(٢) المرجع السابق، (ص ١١٩).
(٣) شريعة الاسلام، د. يوسف القرضاوي، (ص ١٣٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>