للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال حرم لسدِّ ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله، وأُبيح منه ما تدعو إليه الحاجة" (١).

وعليه: فإن أهم الفروق الجوهرية بين الضرورة والحاجة تتبدى في جهات ثلاث، هي:

١ - مرتبة المشقة: فهي في أعلى الرتب في حال الضرورة، ودون ذلك في حال الحاجة.

٢ - مرتبة النهي: فالنهي المرتَكَبُ في حال الضرورة هو ما كان من قبيل المقاصد والوسائل، وأمَّا في حال الحاجة فيقتصر على ما هو من قبيل الوسائل، أو ما نهي عنه سدًّا للذريعة.

٣ - مرتبة الدليل: فما ارتبط بالضرورة من أدلة كانت واضحة ومحددة، تتعلق برفع حرج من نوع خاص، وما ارتبط بالحاجة فكانت الأدلة أعم منها في حال الضرورة، وتعلقت برفع الحرج إجمالًا.

وبناءً على هذا فإن الحاجات لا تبيح ما كان النهي فيه قويًّا، أو من باب المقاصد، وهذا لا يجعل قولهم: "الحاجة تنزل منزلة الضرورة" مطَّردًا.

وعلاوةً على ذلك فإن الحاجة لا ترفع النص، ولا تُوقف العملَ به، كما في الضرورة، وغاية مجالها هو: تخصيص العموم عند من يراها، وبخاصة ما كان تناوله بالعموم ضعيفًا، وقد تُخالف قياسًا، أو تَستثني من قاعدة فقهية.

والحق أنها تخصص استنادًا للاستصلاح أو الاستحسان الذي يعتمد على الحاجة (٢).

وبالجملة فإن ما ذكر من الحاجة التي تبيح المحرم إنما هي في حقيقتها توسع في معنى الضرورة وزيادة في نطاقها لا غير، حيث يشترط في تلك الحاجة المبيحة أن تكون موصوفة بقدر من المشقة الزائدة والشدة الظاهرة.


(١) إعلام الموقعين، لابن القيم، (٢/ ١٦١).
(٢) صناعة الفتوى، لابن بيه، (ص ٢٣١ - ٢٣٢).

<<  <  ج: ص:  >  >>