للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه، إلا وكان القياس معه" (١).

هذا هو مذهب ابن تيمية في أقوال الصحابة، وهو إذ يجعل قول الصحابي أصلًا من أصول الاستدلال، إنما يترسم خُطَى إمامه أحمد بن حنبل -رحمه الله-، وذلك عن اجتهاد لا تقليد.

قال ابن تيمية -رحمه الله-: "قال أبو داود: قال أحمد بن حنبل: ما أجبتُ في مسألة إلا بحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجدتُ في ذلك السبيل إليه، أو عن الصحابة، أو عن التابعين، فإذا وجدتُ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم أعدل إلى غيره، فإذا لم أجد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فعن الخلفاء الأربعة الراشدين المهديين، فإذا لم أجد عن الخلفاء، فعن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأكابر فالأكابر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا لم أجد، فعن التابعين، وعن تابعي التابعين، وما بلغني عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديث بعمل له ثواب إلا عملت به رجاءَ ذلك الثواب، ولو مرة واحدة" (٢).

"وتظهر أهمية هذا الأصل للمفتي في أن العلم بفتاوي الصحابة وأقضيتهم علمًا جامعًا تمدُّ الفقيه بعناصر الفقه الكاملة، وتعطيه أحكامًا لأشتات من الحوادث في الأقاليم المختلفة؛ حيث إن الصحابة بعد فتح الأمصار رأوا أحداثًا وحضارات مختلفة لم تكن في بلاد العرب، فاستنبطوا أحكام هذه الحوادث من المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى ذلك تكون أقضية الصحابة وفتاويهم، وكذلك أقضية كبار التابعين، صورًا ناقلة لأشكال الحضارات والمدنيات التي تواردت على العقل الإسلامي، فالإمام أحمد بهذا الأصل وجد ألوانًا من الحوادث تغنيه في الفتوى عن الفرض والتقدير الذي وسع الفقه الحنفي بما فيه من إيجابيات وسلبيات، وهذا لا يعني أن المفتي لا بدَّ أن يجمد على آثار الصحابة، وكبار التابعين، فلا يخرج منها، وإنما العلم


(١) مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (٢٠/ ٥٨٢).
(٢) المسودة، لآل تيمية، (ص ٣٣٦)، أصول الفقه وابن تيمية، د. صالح المنصور، دار النصر، القاهرة، ط ١، ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م، (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>