للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فالصبر على المكاره تحمد عواقبه, ولهذا قيل: "عواقب المكاره محمودة", وقيل: "عند الصباح يحمد القوم السرى", وقولهم: "لا تدرك الراحة إلا بتعب", قال ابن عبدربه: أخذ هذا المثل حبيب فقال:

على أنني لم أحوِ مالاً مجمعاً ... ففزت به إلا بشمل مبددِ

ولم تعطني الأيام نوماً مسكناً ... ألذ به إلا بنوم مشردِ

وأحسن منه قوله:

بَصُرتَ بِالراحَةِ الكُبرى فَلَم تَرَها ... تُنالُ إِلّا عَلى جِسرٍ مِنَ التَعَبِ

[الحر الصابر لا يريق ماء وجهه]

الصابر لا يريق ماء وجهه ولا يظهر التأفف والتضجر من حكم ربه، فحفظ ماء الوجه يعني عدم الابتذال والإسراف في الطلب، ورحم الله علي بن الجهم حيث يقول:

أَقِلّي فَإِنَّ اللَومَ أَشكَلَ واضِحُهْ ... وَكَم مِن نَصيحٍ لا تُمَلُّ نَصائِحُهْ

مَتى هانَ حُرٌّ لَم يُرِق ماءَ وَجهِهِ ... وَلَم تُختَبَر يَوماً بِرَدٍّ صَفائِحُهْ

سَأَصبِرُ حَتّى يَعلَمَ الصَبرُ أَنَّني ... أَخوهُ الَّذي تُطوى عَلَيهِ جَوانِحُهْ

وَأَقبَلُ مَيسورَ الزَمانِ وَإِنَّما ... أَرى العَيشَ مَقصوراً على مَن يُسامِحُهْ

فالظفر والنصر والفرج والعز والفلاح تأتي مع الصبر قال الشاعر:

صَبِّرِ النَفسَ عِندَ كُلِّ مُلِمٍّ ... إِنَّ في الصَبرِ حيلَةَ المُحتالِ

لا تَضيقَنَّ في الأُمورِ فَقَد تُكـ ... ـشَفُ غَمّاؤُها بِغَيرِ اِحتِيالِ

<<  <  ج: ص:  >  >>