للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكلام أبي نواس وما ورد في الأدب العربي على هذا المنوال لا يعني نفي ما وهب الله للإنسان من اختيار ولكنه يحث على التسليم لقدر الله تعالى باعتباره قضاء رباني لا مناص من التسليم والإيمان به فهو قانون إلهي لا يجوز الكفر به, فتدبير أمور الكون وتقديرها كلها لله وحده لا شريك له.

فالإيمان بالقدر لا يعني تعطيل المدارك والقوى التي أرشد الله إلى إعمالها والتفكر بها, ولا يعني الإيمان بالقدر الميل إلى الكسل وترك العمل, فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة, كما جاء في بعض كلام عمر رضي الله عنه, ولكن الإيمان بالقدر يتطلب النظر في نظام الكائنات, والتعرف على سنن الله في المخلوقات, وطلب الأشياء من أسبابها, والعزيمة والتوكل على الله, قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (١) , وقال سبحانه: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (٢) , فمن آمن بالله ظفر بهداية الله قال تعالى: {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (٣) , {قُلْ إِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ} (٤) , وقال: {يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (٥) .

[الرضا والتسليم دليل الإيمان]

إن الرضا المطلق والقبول المحمود دليل صحة الإيمان, فالمؤمن يعلم أن من المنع عطاءً, ورب ضارة نافعة, أن الحياة المتدفقة بالآلام والمتاعب هي الحياة التي تفتق المواهب وتصنع الرجال, وأن ما من نازلة نزلت إلا ووراءها حكمة قد تدرك أو لا تدرك قدرها العليم الحكيم الذي قال في محكم الذكر الحكيم: {وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (٦) , وهذا ابن عباس عندما فقد عينيه يقول:

إِن يأَخذِ اللَه مِن عَينيَّ نورهما ... فَفي لِساني وَقَلبي منهما نورُ

قَلبي ذَكي وَعَقلي غَيرُ ذي دَخَل ... وَفي فَمي صارِم كالسَيف مَسلولُ

فهو لم يتسخط ولم يفشل لأنه آمن بقول الحق عز وجل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} (٧) , وبحديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن ما أصابك لم يكن


(١) - سورة الملك الآية (١٥) .
(٢) - سورة البلد الآية (١٠) .
(٣) - سورة التغابن الآية (١١) .
(٤) - سورة الرعد الآية (٢٧) .
(٥) - سورة المائدة الآية (١٦) .
(٦) - سورة البقرة الآية (٢١٦) .
(٧) - سورة البقرة الآية (١٥٥) .

<<  <  ج: ص:  >  >>