للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكم من قول انفرد به مجتهد، فَرُفض رأيه وعُودي من أجله، ورُمي بالعظائم، ثم تبين للناس بعد ذلك أنه الحق؛ فالترجيح بالمعنى والأدلة، لا بالكثرة، ولا أثر للمخالفة والموافقة في ذلك، وإنما ينبغي أن تذكر الموافقة والمخالفة لمجرد الاستئناس، لا للاحتجاج، ولا للترجيح.

ومثل ذلك أيضًا: ما لو اتفق الأئمة الأربعة على قول اجتهادي في المسألة، فلا يمنع ذلك أن يفتي المجتهد بخلافه مما يتبين له أنه الحق بالدليل؛ إذ لا دليل يدل على انحصار الحق في قولهم؛ لأن إجماعهم ليس بحجة، بل الحجة في إجماع الأمة، وقد قال ابن تيمية -رحمه الله-: "ولو قضى أو أفتى يقول سائغ يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة في مسائل الأيمان والطلاق وغيرهما، مما ثبت فيه النزاع بين علماء المسلمين، ولم يخالف كتابًا ولا سنة ولا معنى ذلك؛ بل كان القاضي به والمفتي به يستدل عليه بالأدلة الشرعية، كالاستدلال بالكتاب والسنة؛ فإن هذا يسوغ له أن يحكم به ويفتي به، ولا يجوز باتفاق الأئمة الأربعة نقض حكمه إذا حكم به، ولا منعه من الحكم به ولا من الفُتيا به، ولا منع أحد من تقليده" (١).

وإن كان ما سبق نقله لا يمنع من أن يقال: إن ترجيح مذهب الجمهور (٢) واعتماده يعني في الأغلب موافقة الأكثر من المجتهدين من لدن الصحابة والتابعين، وهو يحمل في طياته موافقة الوحي والخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين، سواء في النقل أو الاستدلال.

والأصل هو كثرة الحقِّ والصواب في مسائل الجمهور من غير قطع بذلك في جميع المسائل.

وقد مال عدد من أهل العلم إلى جعل مذهب الجمهور أحد المرجحات عند الخلاف.

ومن هذا القبيل ترجيح المزني (٣) قول الشافعي -رحمه الله- في القديم من مذهبه بجواز


(١) مجموع الفتاوي، لابن تيمية، (٣٣/ ١٣٣ - ١٣٤).
(٢) قد يطلق الجمهور على الأئمة الأربعة، وإن خالفهم غيرهم من المعتبرين، وقد يطلق على ثلاثة منهم إن اتفقوا وخالفهم الرابع، وقد يطلق على اثنين على قول واحد، واختلف الآخران كل منهما على قول.
(٣) أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل المزني، المصري، تلميذ الشافعي. وكان إمامًا ورعًا مناظرًا، =

<<  <  ج: ص:  >  >>