للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكأنني لما انحططت به ... أرمي الفلاة بكوكب طلق

وكأنّني لما طلبت به ... وحش الفلاة على مطا برق

وله:

بطل إذا خطب النفوس إلى الوغى ... جعل الظبي تحت العجاج صداقها

وإذا الملوك جرت جيادا في الندى ... والباس قطًّع سيفه أعناقها

ومنها:

ولو أن أفواه الضراغم منهل ... للورد أورد خيله أشداقها

وله من أبيات مرثية:

وقالوا أصاب الموت نفسا كريمة ... فقلت لصحبي هذه نفس صالح

هذا من قول دريد ابن الصمة:

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت: أعبد الله ذلكم الرّدي

وقد أحسن مهيار الاتباع في قوله:

بكر النعيّ فقال أودى خيرها ... إن كان يصدق فالرضيُّ هو الرّدِي

ولابن شهيد رسالة في البرد: صبحتنا اليوم خيل البرد، مغيرة على سوام كل ممتد، وانقبضت إلى باب الإيوان، وقد خدشني بصارم وسنان، وجعلت مجني حطبا دل على نفسه، وقد تشظى من يبسه، وسلطت عليه حاجب الشرر، ورميته منها ببنات الحديد والحجر فوافقها قليلا، وعاركها حينا، لها عجيج، وله من حر نزالها ضجيج، ثم أثخن بها ضربا فبددت شمله وألفت شملنا واستحالت حية لا يستحل قتلها ترمي من ألوان، وتهدد بلسان، فلذعت البرد لذعة، ونكزته على فؤاده نكزة، خرّ لها عن جبينه، ومات من حينه، وغشينا من فائض حمتها حرّ كان لنا حياة، ولذلك وفاة، فالحمد لله على نعمته، وما أرانا من غريب قدرته، ودلّنا على لطيف بدعته، ولما استحال الجمر رمادا، وتمهد لنا من الدفء مهادا، ولمحته العين كالورد، عليه كافور الهند، انبسطت يد شاكرك فذكر ما كلفته، من الزيادة في المعنى الذي اعتمدته

[أبو مروان ابن أبي الخصال]

سبق ذكر أخيه أبي عبد الله ابن أبي الخصال، وكان حميد الخصال، شديد النصال، سديد المصال، ولهذا رسائل كثيرة، ومحاسن أثيرة، فمن رسائل أبي مروان، رسالة كتبها إلى بعض الإخوان:

أرى النوى تقتضيني كل مرحلة ... لا تستقل بها الوخّادة الرسم

كتبت أدام الله عزكم واللوعة مرتكمة، وأيدي النوى محتكمة، وزمامي بكفها تقوده وأتبع من خلفها على مشيتها أنقلب، وليس لي وراءها مذهب، ترميني منها بكل حاصب، وأغدو وأروح على سقم واصب:

وأرجو غدا فإذا ما أتى ... بكيت على أمسه الذاهب

بينا أتوهم مصافحكتكم، وأمثل لنفسي مناجاتكم، وأتخيل مسامحة الأيام بلقائكم، وأن تطلع نجومي في سمائكم، فأكرع في مواردكم شاربا، وأصبح عن الحوادث بكم جانبا، إذا بها قد جرت في سجيتها من الإقصاء، ودفعت في صدري إلى الصحراء، فسقط في يدي، وتضاعف الأسى والوجد علي، وخذل بعضي بعضي، وأطبقت سمائي على أرضي، وصارت الصغرى التي كانت العظمى، وجلت الحادثة بي أن تنمى، ومت غمّا أو كدت وإن لم أمت حقيقة فقد مت.

وإن أسلم فلم أسلم ولكن ... سلمت من الحمام إلى الحمام

وكنت أرى أن قد انتهيت من البلاء إلى أبعد طرف وغاية لا تتخلف، والآن فقد عادت لي الأطراف أوساطا، وأفرطت في التناهي إفراطا، إلى الله أشكو فقدكم وبعدكم، فطالما لقيت منها بعدكم، وأسأله وهو الملي، وأستوهبه وهو الغني، لما يعقب اعتباطا، ويطوي من الأرض بيني وبينكم بساطا، وذلك إليه، وهين عليه.

وكتب إلى مغنّ: للسرور أطال الله بقاءك مخضوبة بالمدام راحتك، وموصولة بالدوام راحتك. آلتان أنيستان، وحالتان نفسيتان، فمتى اقترنتا فقد اقترنت بيمنى يسرى، وعظم سلطان السرور واستولى، وحضرتنا إحداهما وهي ابنة العنقود، وتعذرت الأخرى وهي رنة العود، فإن رأى أن يضيف إلى اليسرى يمنى، ويجعل للقلادة وسطى، حتى يشرف خامل المسرة قدرا ويطلع هلال الأنس بدرا، فعل منعما.

ومن أخرى إلى صديق أراد زيارته ثم انصرف قبل الوصول إليه:

ذهبت من الهجران في كل مذهب ... ولم يك حقا كل هذا التجنب

ما بال سيدي راجع به الله، وأجارنا من عتبه بعتباه، وقد قبض خطوه، وقصر عن الزيارة شأوه، بعد أن شارف أفقنا، وشام برقنا، ونزل منا بحيث يسمع السرار، وتتراءى للناظر النار.

كأن لم يكن يوما يزورة صالح ... وبالقصر ظل دائم وصديق

<<  <  ج: ص:  >  >>