للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نفس الذليل تعز بالجريال ... فيقاتل الأقران دون قتال

كم من جبان ذي افتخار باطل ... بالخمر تحسبه من الأبطال

كبش النديِّ تخَبُّطاً وعرامة ... وإذا تشد الحرب شاة نزال

وقال في الحنين والنزاع، إلى التلاقي والاجتماع:

أترى الزمان يسرنا بتلاقي ... ويضم مشتاقا إلى مشتاق

وتعض تفاح الخدود شفاهنا ... ونرى منى الأحداق للأحداق

ويعيد أنفسنا إلى أجسادنا ... فلطالما شردت على الآفاق

وقال:

برّح السقم بي فليس صحيحا ... من رأت عينه عيونا مراضا

إن للأعبن المراض سهاما ... صيرت أنفس الورى أغراضا

وقال في شمعة:

ربّ صفراء تردت ... بشحوب العاشقينا

مثل فعل النار فيها ... تفعل الآجال فينا

وبقي بعد ملوك الأندلس وانقرض ملكهم، وانتقاض سلكهم، ملكا مطاعا، ضرارا نفاعا، لم تخطئه الأمنية إلى أن تخطت إليه المنية، وبقي ابنه على رسمه، يجري الزمان على حكمه، إلى أن دب إليه الكيد، ووهن منه الأيد، وأوحش منه عرشه، وأنس به نعشه، فتبارك الواحد الذي ليس له ثان، ولا يفنى ملكه وكل شيء فان.

الرئيس الأجل

أبو عبد الرحمان محمد بن طاهر

وصفه بالملكة في البراعة، والمملكة في تصريف اليراعة، والتفرد بالبيان، والتوحد في الإحسان، في جده طود الوقار، وفي مزحه مزج العقار، وعلى مفرقه تاج الملك، وفي مهرقه مزاج المسك، تسلطت عليه الخطوب في سلطانه، ونزع من أوطاره، ونزح من أوطانه، وبقي في أسر ابن عمار وزير المعتمد عانيا، للمحن معانيا، حتى خلصه الوزير أبو بكر بن عبد العزيز، وآواه ببلنسية إلى معقله الحريز، وتنقلت الأحوال به بين نعمى وبؤس، وبش وعبوس، وشدة ورخاء، وسعادة وشقاء. قال مصنف قلائد العقيان: شهدت وفاته سنة سبع وخمسمائة وقد نيف على التسعين، وجف ماء عمره المعين، وزعم أنه انقرض بانقراضه الكلام، وبدأ به وهو الختام، وأورد من رسائله كثيرا، ونظم من فضائله درا نثيرا. قال: ولم أسمع له شعرا إلا ما أنشدني في أبي أحمد بن جحاف عند قتله الملك الملقب بالقادر فظن أنه تتم له الرئاسة فقصده القدر الناثر.

أيها الأخيف مهلا ... فلقد جئت عويصا

إذ قتلت الملك يحيى ... وتقمصت القميصا

رب يوم فيه تجزى ... لم تجد عنه محيصا

ومن نثره من جملة كتاب إلى المعتصم أيام رئاسته يصف العدو العابث بالأندلس: كتابي - أعزك الله -، وقد ورد كتاب للمنصور ملاذي والمعتمد بك أيده الله أودعه ما ودع من حياة، ولم يدع مكانا لمسلاة، فإنه للقوب مؤذ، وللعيون مقذ، وللظهور قاصم، ولعرى الحزم فاصم، فليندب الإسلام نادب، وليبك له شاهد وغائب. فقد طفيئ مصباحه، ووطيء ساحه، وهيض عضده، وغيض ثمده.

ومن أخرى: الآن عاد الشباب خير معاده، وابيض الرجاء بعد اسوداده وترك الزمان فضل عنانه، فلله الشكر المردد بإحسانه. وافاني أيدك الله لك كتاب كريم كما طرز البدر النهر، أو كما بلل الغيث الزهر، طوقني طوق الحمامة، وألبسني ظل الغمامة.

<<  <  ج: ص:  >  >>