للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

خدمتكم ليكونَ الدهرُ من خَدَمِي ... فما أَحَالَهُ عن حالاته الأُوَلِ

إنْ لم تَكُنْ بكمُ حالِي مُبَدَّلَةً ... فما انتفاعي بعلم الحالِ والبَدَلِ

المهذب أبو محمد

الحسن بن علي بن الزبير

هو أخو الرشيد، محكم الشعر كالبناء المشيد، وهو أشعر من أخيه، وأعرف بصناعته وإحكام معانيه. توفي قبل أخيه بسنة، لم يكن في زماتنه أشعر منه أحد وله شعر كثير، ومحلٌ في الفضل أثير. أنشدني له نجم الدين بن مصال ببعلبك في رمضان سنة سبعين من قصيدة في الصالح بن رزيك يعرض بشاعره المعروف بالمفيد:

لقد شكَّ طرفي والركائبُ جُنَّحُ ... أأنت أم الشمسُ المنيرة أمْلَحُ

ومنها في الغزل:

يَظلُّ جَنَى العُنَّابِ في صحنِ خدِّهِ ... عن الوردِ ماءَ النرجِسِ الغضِّ يَمْسَحُ

ومنها:

فيا شاعراً قد أَلفَ قصيدةٍ ... ولكنها من بيته ليس تَبْرَحُ

ليهنِكَ لا هُنِّئْتَ أنّ قصائدي ... مع النجم تسري أو مع الريح تَسْرَحُ

أنشدني زين الحاج أبو القاسم قال: أرسلني نور الدين إلى مصر في زمان الصالح بن رزيك فلقيت المهذب بن الزبير فأنشدني لنفسه:

وشادنٍ ما مثله في الجنانْ ... قد فاق في الحسن جميع الحسانْ

لم أَرَ إلا عينه جعبةً ... للسيف والنصلِ وحَدِّ السِّنانْ

ووجدت في بعض الكتب له من قصيدة في مدح الصالح طلائع بن رزيك بمصر:

وتلقى الدهرَ منه بليث غابٍ ... غَدَتْ سمرُ الرماح له عَرِينا

تخالُ سيوفَه إمَّا انتضاها ... جداولَ والرماحَ لها غصونا

وتحسبُ خيلَهُ عِقْبانَ دَجنٍ ... يَرُحْنَ مع الظلام ويغتدينا

إِذا قَدَحَتْ بجنح الليل أوْرَتْ ... سناً يُعْشي عيونَ الناظرينا

وإن جَنَحَتْ مع الإصباح عَدْواً ... أَثارَتْ للعجاجِ به دُجُونا

كأنّ الشمس حين تُثير نقعاً ... تحاذرُ من سطاهُ أن تبينا

وما كُسِفَتْ بدورُ الأُفْقِ إلاّ ... مخافةَ أن يُحَطِّمَها مُبينا

وما تندقُّ يومَ الرّوْعِ حتى ... يَدُقَّ بها الكواهلَ والمتونا

عجبتُ لها تصافحُ مِنْ يَدَيهِ ... وتوصَفُ بالظَّمَا بحراً مَعِينا

ويورِدُها ولا يُخْطِي برأْيٍ ... نِطافاً من دروعِ الدارعينا

وهل يَشْفَى لها أبداً غليلٌ ... وقد شَرِبَتْ دماءَ الكافرينا

إذا لَقِيَتْ عيونَ الروم زُرْقاً ... حسبْتَ نِصالَها تلك العيونا

وقائعُ في العُداةِ له تُبَارى ... صنائعَ في العُفاة المجتدينا

وإرغامٌ به أبكى عيوناً ... وإنعامٌ أَقَرَّ به عيونا

وله فيه قصيدة:

أَقْصِر فَدَيْتُكَ عن لَوْمي وعن عَذَلي ... أوْ لا فخذ لي أماناً من يد المقلِ

من كلِّ طَرْفٍ مريض الجفنِ تنشدنا ... ألحاظُه رُبَّ رامٍ من بني ثُعَل

إنْ كان فيه لنا وهْو السقيمُ شِفاً ... فربما صحَّتِ الأجسامُ بالعِلَل

إن الذي في جفونِ البيضِ إذ نَظَرَتْ ... نظيرُ ما في جفون البيض والخِلَل

كذاك لم يشتبه في القول لفظهما ... إلا كما اشتبها في الفعل والعمل

وقد وقفتُ على الأطلال أحسبها ... جسمي الذي بعدَ بُعْدِ الظاعنين بُلِي

أَبكي على الرسم في رسم الديار فهلْ ... عجبتَ من طَلَلٍ يبكي على طلل

وكلّ بيضاءَ لو مَسَّت أَناملُها ... قميصَ يوسفَ يوماً قُدَّ من قُبُل

يُغني عن الدُّرِّ والياقوت مَبْسِمُها ... لِحُسْنِها فلها حَلْيٌ من العَطَل

بالخدِّ مِنِّيَ آثارُ الدموع كما ... لها على الخدِّ آثارٌ من القُبَل

كأنّ في سيفِ سيفِ الدين من خَجَلٍ ... من عزمه ما به من حُمْرة الخجل

<<  <  ج: ص:  >  >>