للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تولَّتْنِيَ الأرزاءُ حتى كأنما ... فؤادي لكفَّيْ كلِّ لاطِمَةٍ خَدُّ

قال: وأنشدني صاحب بالإسكندرية، قال: وصل إلى أبي كتاب من ظافر، وفيه:

وَصل الكابُ فكانَ موقعُ قربهِ ... مني مواقعَ أَوْجُهِ الأحباب

فكأَنه أَهدى أَجلَّ مآربي ... حتى لقاءَك ثُمَّ عَصْرَ شبابي

وقرأتهُ وفهمتُ ما فيهِ فيا ... لله ما يَحْويه من آداب

فجزالةُ العلماء في أثنائه ... ممزوجةٌ بحلاوةِ الكُتَّاب

أقول: ظافر، بحظه من الفضل ظافر، يدل نظمه على أن أدبه وافر، وشعره بوجه الرقة والسلاسة سافر، وما أكمله لولا أنه من مداح المصري، والله له غافر. حداد، لو أنصف لسمي جوهرياً، وكان باعتزائه إلى نظم اللآلىء حرياً، أهدى بروي شرعي الروي للقلوب الصادية رياً، فيا له ناظماً فصيحاً مفلقاً جرياً.

ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين إلى دمشق في سنة سبعين واجتمعت بأفاضل دولته كالقاضي الفاضل، ونجم الدين بن مصال، رأيتهم يثنون على ظافر. وأنشدني له قصيدة خائية وقصيدة رائية، وأنشدني مهما، ووعدني بهما بعض الأفاضل.

ومن شعره:

في لحظها مَرَضٌ للتِّيه تحْسَبُهُ ... وَسْنَان أو فقريبَ العهد بالرَّمَدِ

تريك ليلاً على صبحٍ على غُصُنٍ ... على كثيبٍ كموج الرَّمْلِ مُطَّرِدِ

ومنها:

كأنَّ أَنْجُمَها في الليل لائحةً ... دَرَاهِمٌ وَالثُّرَيَّا كَفُّ مُنْتَقِدِ

ومنها:

وبِتُّ أَلْثُمُهَا طَوْراً وَأُشْعِرُهَا ... فِعْلَ الهوى بي وقَدْ نَأمَتْ عَلَى عَضُدِي

ومن شعره:

وما طائرٌ قصَّ الزمانُ جناحَهُ ... وأَعدمه وَكْراً وأَفْقَدَهُ إِلْفَا

تذكَّرَ رَعْياً بين أَفْنَانِ بانةٍ ... حَوَافِي الخَوَافِي ما يَطِرْنَ به ضَعْفَا

إذا التحفَ الظَّلْمَاءَ ناجى همومَهُ ... بترجيع نَوْحٍ كاد من دِقَّةٍ يخفى

بأَشْوقَ مني مذ أَطاعتْ بك النوى ... هوائيةٌ مائيةٌ تَسْبق الطَّرْفا

تولَّتْ وفيها منكَ ما لو أَقِيسُهُ ... بباقي الوَرَى ما كان في وصفه أَوْفَى

وله

رحلوا ولولا أنني ... أَرْجو الإِيابَ قضيتُ نحبي

والله ما فارقتهمْ ... لكنَّنِي فارقتُ قلبي

ولظافر من قصيدة أوردها ابن بشرون في المختار يصف فرساً:

خاضَ الظلام فاهتدى بغُرَّةٍ ... كوكبُها لمقلتيهِ قَائِدُ

يجاذبُ الريحَ على الأرضِ ومِنْ ... قلائِد الأفْقِ لهُ قَلائِدُ

ينصاعُ كالمرّيخ في التهابِهِ ... وأَنْتَ فوق ظهرهِ عُطَارِدُ

ومنها:

تُعْطي وأنت معدمٌ وإنما ... يعطي أخوك الغيثُ وهْوَ وَاجِدُ

وله في قصر الولاية بالإسكندرية:

كم قد رأيتُ بهذا القصر من مَلِكٍ ... دارتْ عليه صروفُ الدهرِ فاخْتُلِسَا

كأنه والذي قد كان يجمعُهُ ... طيفٌ تصوَّرَ للرَّائي إذا نَعَسَا

وله في ابن حديد قاضي إسكندرية يهنئه بشهر رمضان:

شهرُ الصيام بكَ المهنَّا ... إذ كان يشبه منك فَنَّا

ما سار حولاً كاملاً ... إلا ليَسْرِقَ منك مَعْنَى

وينالَ منك كما ننا ... لُ ويستفيدَ كما استفدنا

فرأى هلالَكَ من محلّ ... هلاله أَعْلَى وَأَسْنَى

بهرتْ محاسنُكَ الوَرَى ... فأعادت الفُصَحَاءَ لُكْنَا

وإذا مَدَحْنَاكَ احتقرْ ... نا ما نقولُ وإن أَجَدْنا

والفضلُ أَجمعُ بعضُ وَص ... فِكَ فهْو غايةُ ما وَجَدْنَا

إنَّ الَّذِي صَدَحَ الحمَا ... مُ به ثناؤُك حين غَنَّى

وأَظُنُّ ذلك مُوجِباً ... طرَبَ القضيبِ إذا تَثَنَّى

فتهَنَّ شهرَكَ واسْتَزِدْ ... بقدومه سَعْداً ويُمْناً

فمكانُهُ من عامِهِ ... كمكانِكَ المحروسِ مِنَّا

<<  <  ج: ص:  >  >>