للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

كِتَابُ الْإِيدَاعِ.

لَا خَفَاءَ فِي اشْتِرَاكِهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ فِي الْحُكْمِ، وَهُوَ الْأَمَانَةُ (هُوَ) لُغَةً: مِنْ الْوَدْعِ أَيْ التَّرْكِ وَشَرْعًا (تَسْلِيطُ الْغَيْرِ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً) كَأَنْ انْفَتَقَ زِقُّ رَجُلٍ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ بِغَيْبَةِ مَالِكِهِ ثُمَّ تَرَكَهُ، ضَمِنَ لِأَنَّهُ بِهَذَا الْأَخْذِ الْتَزَمَ حِفْظَهُ دَلَالَةً بَحْرٌ (الْوَدِيعَةُ مَا تُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ) وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأَمَانَةِ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ.

(وَرُكْنُهَا: الْإِيجَابُ صَرِيحًا) كَأَوْدَعْتُكَ (أَوْ كِنَايَةً) كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَعْطِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَعْطِنِي هَذَا الثَّوْبَ مَثَلًا فَقَالَ: أَعْطَيْتُك كَانَ وَدِيعَةً بَحْرٌ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ يَحْتَمِلُ الْهِبَةَ لَكِنَّ الْوَدِيعَةَ أَدْنَى، وَهُوَ مُتَيَقَّنٌ فَصَارَ كِنَايَةً (أَوْ فِعْلًا) كَمَا لَوْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ وَلَمْ يَقُلْ

ــ

[رد المحتار]

أَقُولُ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ حَيْثُ قَالَ رَامِزًا لِفَتَاوَى الْفَضْلِيِّ: الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ، وَبِهِ يُفْتَى، ثُمَّ إذَا هَلَكَتْ أَفْتَيْت بِالرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ هِبَةً فَاسِدَةً لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ؛ إذْ الْفَاسِدَةُ مَضْمُونَةٌ فَإِذَا كَانَتْ مَضْمُونَةً بِالْقِيمَةِ بَعْدَ الْهَلَاكِ كَانَتْ مُسْتَحَقَّةَ الرَّدِّ قَبْلَ الْهَلَاكِ اهـ فَتَنَبَّهْ. .

[فُرُوعٌ] سُئِلَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُضَارِبُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَكَانَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ مَعْرُوفًا، فَهَلْ يَكُونُ رَبُّ الْمَالِ أَحَقَّ بِرَأْسِ مَالِهِ وَحِصَّتِهِ مِنْ الرِّبْحِ الْجَوَابُ: نَعَمْ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْخَانِيَّةِ وَالذَّخِيرَةِ الْبُرْهَانِيَّةِ حَامِدِيَّةٌ، وَفِيهَا عَنْ قَارِئِ الْهِدَايَةِ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ فِي فَتَاوَاهُ إذَا ادَّعَى أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ خِيَانَةً فِي قَدْرٍ مَعْلُومٍ، وَأَنْكَرَ حَلَفَ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ مَا ادَّعَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مِقْدَارًا، فَكَذَا الْحُكْمُ لَكِنْ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ لَزِمَهُ أَنْ يُعَيِّنَ مِقْدَارَ مَا خَانَ فِيهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي مِقْدَارِهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ نُكُولَهُ كَإِقْرَارٍ بِشَيْءٍ مَجْهُولٍ، وَالْبَيَانُ فِي مِقْدَارِهِ إلَى الْمُقِرِّ مَعَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ خَصْمُهُ بَيِّنَةً عَلَى أَكْثَرَ اهـ.

[كِتَابُ الْإِيدَاعِ]

(قَوْلُهُ بِغَيْبَةِ إلَخْ) قُيِّدَ بِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَوْ كَانَ حَاضِرًا لَمْ يَضْمَنْ كَمَا حَقَّقَهُ الْمُصَنِّفُ اُنْظُرْ الْيَعْقُوبِيَّةَ قَالَ فِي الْمِنَحِ: إنَّ الْأَمَانَةَ عِلْمٌ لِمَا هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ، فَشَمِلَ جَمِيعَ الصُّوَرِ الَّتِي لَا ضَمَانَ فِيهَا كَالْعَارِيَّةِ وَالْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمُوصَى بِخِدْمَتِهِ فِي يَدِ الْمُوصَى لَهُ بِهَا، الْوَدِيعَةُ مَا وُضِعَ لِلْأَمَانَةِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فَكَانَا مُتَغَايِرَيْنِ. وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَفِي الْبَحْرِ وَحُكْمُهُمَا مُخْتَلِفٌ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ، لِأَنَّهُ فِي الْوَدِيعَةِ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ إذَا عَادَ إلَى الْوِفَاقِ، وَفِي الْأَمَانَةِ لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ بَعْدَ الْخِلَافِ.

[نُكْتَةٌ] .

ذَكَرَهَا فِي الْهَامِشِ رُوِيَ: أَنَّ زُلَيْخَا لَمَّا اُبْتُلِيَتْ بِالْفَقْرِ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهَا مِنْ الْحُزْنِ عَلَى يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَلَسَتْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ فِي زِيِّ الْفُقَرَاءِ فَمَرَّ بِهَا يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَامَتْ تُنَادِي أَيُّهَا الْمَلِكُ، اسْمَعْ كَلَامِي، فَوَقَفَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَتْ: الْأَمَانَةُ أَقَامَتْ الْمَمْلُوكَ مَقَامَ الْمُلُوكِ، وَالْخِيَانَةُ أَقَامَتْ الْمُلُوكَ مَقَامَ الْمَمْلُوكِ، فَسَأَلَ عَنْهَا، فَقِيلَ: إنَّهَا زُلَيْخَا فَتَزَوَّجَهَا رَحْمَةً عَلَيْهَا اهـ زَيْلَعِيٌّ (قَوْلُهُ: أَوْ كِنَايَةً) الْمُرَادُ بِهَا مَا قَابَلَ الصَّرِيحَ مِثْلُ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ لَا الْبَيَانِيَّةُ (قَوْلُهُ لِأَنَّ إلَخْ) التَّعْلِيلُ فِي الْبَحْرِ أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَقُلْ إلَخْ) فَلَوْ قَالَ: لَا أَقْبَلُ الْوَدِيعَةَ لَا يَضْمَنُ؛ إذْ الْقَبُولُ عُرْفًا لَا يَثْبُتُ عِنْدَ الرَّدِّ صَرِيحًا. قَالَ صَاحِبُ جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ أَقُولُ: دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْبَقَّارَ لَا يَصِيرُ مُودَعًا فِي بَقَرَةِ مَنْ بَعَثَهَا إلَيْهِ فَقَالَ الْبَقَّارُ لِلرَّسُولِ: اذْهَبْ بِهَا إلَى رَبِّهَا فَإِنِّي لَا أَقْبَلُهَا فَذَهَبَ بِهَا، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَضْمَنَ الْبَقَّارُ، وَقَدْ مَرَّ خِلَافُهُ، يَقُولُ الْحَقِيرُ:

<<  <  ج: ص:  >  >>