ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي) الْكَافِي الشَّافِ، فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْكَشَّافِ (: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْتَغْرَبَهُ وَقَالَ: لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ رِشْدِينَ بْنِ سَعْدٍ، وَتُعُقِّبَ قَوْلُهُ بِأَنَّ أَحْمَدَ وَأَبَا يَعْلَى أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ دَرَّاجٍ، وَبِأَنَّ ابْنَ حِبَّانَ وَالْحَاكِمَ أَخْرَجَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ.
وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بِئْسَ الشَّرَابُ الْمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الشَّرَابُ ذَلِكَ الْمَاءُ الَّذِي يُغَاثُونَ بِهِ. وَالضَّمِيرُ الْفَاعِلُ فِي قَوْلِهِ «سَاءَتْ» عَائِدٌ إِلَى النَّارِ.
وَالْمُرْتَفَقُ: مَكَانُ الِارْتِفَاقِ. وَأَصْلُهُ أَنْ يَتَّكِئَ الْإِنْسَانُ مُعْتَمِدًا عَلَى مِرْفَقِهِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِي الْمُرَادِ بِالْمُرْتَفَقِ فِي الْآيَةِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى. قِيلَ مُرْتَفَقًا. أَيْ: مَنْزِلًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ. وَقِيلَ مَقَرًّا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَطَاءٍ. وَقِيلَ مَجْلِسًا وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ الْعُتْبِيِّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُرْتَفَقًا أَيْ: مُجْتَمَعًا. فَهُوَ عِنْدَهُ مَكَانُ الِارْتِفَاقِ بِمَعْنَى مُرَافَقَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي النَّارِ.
وَحَاصِلُ مَعْنَى الْأَقْوَالِ أَنَّ النَّارَ بِئْسَ الْمُسْتَقَرُّ هِيَ، وَبِئْسَ الْمَقَامُ هِيَ. وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا [٢٥ \ ٦٦] ، وَكَوْنُ أَصْلِ الِارْتِفَاقِ هُوَ الِاتِّكَاءُ عَلَى الْمِرْفَقِ، مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيِّ:
نَامَ الْخَلِيُّ وَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ... كَأَنَّ عَيْنِيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ
وَيُرْوَى «وَبِتُّ اللَّيْلَ مُشْتَجِرًا» وَعَلَيْهِ فَلَا شَاهِدَ فِي الْبَيْتِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَاهِلَةَ:
قَدْ بِتُّ مُرْتَفِقًا لِلنَّجْمِ أَرْقُبُهُ ... حَيْرَانَ ذَا حَذَرٍ لَوْ يَنْفَعُ الْحَذَرُ
وَقَوْلُ الرَّاجِزِ:
قَالَتْ لَهُ وَارْتَفَقَتْ أَلَا فَتًى ... يَسُوقُ بِالْقَوْمِ غَزَالَاتِ الضُّحَا
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مِنْ صِفَاتِ هَذَا الشَّرَابِ، الَّذِي يُسْقَى بِهِ أَهْلُ النَّارِ، جَاءَ نَحْوُهُ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [٦ \ ٧٠] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ [٤٧ \ ١٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [٨٨ \ ٥] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ [٥٥ \ ٤٤] ، وَالْحَمِيمُ الْآنِي: مِنَ الْمَاءِ الْمُتَنَاهِي فِي الْحَرَارَةِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://shamela.ws/page/contribute