ولا كذبت فأبصري الطريق. فقالت: أنى وقد انقطع الحاج وتقطعت الطرق؟ فكانت تشد إلى كثيب تقوم عليه تنظر ثم ترجع إليه فتمرضه ثم ترجع إلى الكثيب. فبينا هي كذلك إذا هي بنفر تخد بهم رواحلهم كأنهم الرخم على رحالهم. فألاحت بثوبها فأقبلوا حتى وقفوا عليها فقالوا: ما لك؟ قالت: امرؤ من المسلمين يموت تكفنونه.
قالوا: ومن هو؟ قالت: أبو ذر. ففدوه بآبائهم وأمهاتهم ووضعوا السياط في نحورها يستبقون إليه حتى جاؤوه فقال: أبشروا. فحدثهم الحديث الذي قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:، لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة فيحتسبان ويصبران فيريان النار،. أنتم تسمعون. لو كان لي ثوب يسعني كفنا لم أكفن إلا في ثوب هو لي. أو لامرأتي ثوب يسعني لم أكفن إلا في ثوبها. فأنشدكم الله والإسلام ألا يكفني رجل منكم كان أميرا أو عريفا أو نقيبا أو بريدا. فكل القوم قد كان قارف بعض ذلك إلا فتى من الأنصار قال: أنا أكفنك. فإني لم أصب مما ذكرت شيئا. أكفنك في ردائي هذا الذي علي وفي ثوبين في عيبتي من غزل أمي حاكتهما لي. قال: أنت فكفني. قال فكفنه الأنصاري في النفر الذين شهدوه. منهم حجر بن الأدبر ومالك الأشتر في نفر كلهم يمان.
قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدثنا إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن مسعود قال: لما نفى عثمان أبا ذر إلى الربذة وأصابه بها قدره ولم يكن معه أحد إلا امرأته وغلامه فأوصاهما أن اغسلاني وكفناني وضعاني على قارعة الطريق فأول ركب يمر بكم فقولوا هذا أبو ذر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعينونا على دفنه.
فلما مات فعلا ذلك به. ثم وضعاه على قارعة الطريق. وأقبل عبد الله بن مسعود في رهط من أهل العراق عمارا فلم يرعهم إلا بالجنازة على ظهر الطريق قد كادت الإبل أن تطأها. فقام إليه الغلام فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعينونا على دفنه. فاستهل عبد الله يبكي ويقول: صدق رسول الله.، تمشي وحدك وتموت وحدك وتبعث وحدك، … ثم نزل هو وأصحابه فواروه. ثم حدثهم عبد الله بن مسعود حديثه وما قال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مسيره إلى تبوك.
قال: أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثنا سعيد بن عطاء بن أبي مروان عن أبيه عن أبي ذر أنه رآه في نمرة مؤتزرا بها قائما يصلي فقلت: يا أبا ذر أما لك ثوب غير