للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عُرْفًا يُعَزَّرُ وَإِلَّا لَا ابْنُ كَمَالٍ (يَا ضُحْكَةُ) بِسُكُونِ الْحَاءِ: مَنْ يَضْحَكُ عَلَيْهِ النَّاسُ، أَمَّا بِفَتْحِهَا: فَهُوَ مَنْ يَضْحَكُ عَلَى النَّاسِ، وَكَذَا (يَا سُخْرَةُ) وَاخْتَارَ فِي الْغَايَةِ التَّعْزِيرَ فِيهِمَا وَفِي يَا سَاحِرُ يَا مُقَامِرُ. وَفِي الْمُلْتَقَى: وَاسْتَحْسَنُوا التَّعْزِيرَ لَوْ الْمَقُولُ لَهُ فَقِيهًا أَوْ عَلَوِيًّا.

(ادَّعَى سَرِقَةً) عَلَى شَخْصٍ (وَعَجَزَ عَنْ إثْبَاتِهَا لَا يُعَزَّرُ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ بِدَعْوَى تُوجِبُ تَكْفِيرَهُ وَعَجَزَ) الْمُدَّعِي (عَنْ إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ) فَإِنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إذَا صَدَرَ الْكَلَامُ عَلَى وَجْهِ الدَّعْوَى عِنْدَ حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ. أَمَّا إذَا صَدَرَ عَلَى وَجْهِ السَّبِّ أَوْ الِانْتِقَاصِ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ (بِخِلَافِ دَعْوَى الزِّنَا) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يُثْبِتْ يُحَدُّ لِمَا مَرَّ

(وَهُوَ) أَيْ التَّعْزِيرُ (حَقُّ الْعَبْدِ) غَالِبٌ فِيهِ (فَيَجُوزُ فِيهِ الْإِبْرَاءُ وَالْعَفْوُ)

ــ

[رد المحتار]

الْأَوَّلِ النِّسْبَةُ إلَى الْأُمُورِ الْخُلُقِيَّةِ، فَلَا يُعَزَّرُ فِي يَا حِمَارُ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ غَيْرُ مُرَادٍ، بَلْ مَعْنَاهُ الْمَجَازِيُّ كَالْبَلِيدِ، وَهُوَ أَمْرٌ خُلُقِيٌّ، وَبِالْقَيْدِ الثَّانِي النِّسْبَةُ إلَى مَا لَا يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ، فَلَا يُعَزَّرُ فِي يَا حَجَّامُ وَنَحْوِهِ مِمَّا يُعَدُّ عَارًا فِي الْعُرْفِ، وَلَا يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ، وَبِالْقَيْدِ الثَّالِثِ إلَى مَا لَا يُعَدُّ عَارًا فِي الْعُرْفِ فَلَا يُعَزَّرُ فِي يَا لَاعِبَ النَّرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَحْرُمُ فِي الشَّرْعِ. اهـ. قُلْت: وَهَذَا الضَّابِطُ مَبْنِيٌّ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَقَدْ عَلِمْت تَفْصِيلَ الْهِدَايَةِ (قَوْلُهُ بِسُكُونِ الْحَاءِ) أَيْ مَعَ ضَمِّ أَوَّلِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ (قَوْلُهُ وَفِي يَا سَاحِرُ) رَأَيْته فِي الْبَحْرِ بِالْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ يَا مُقَامِرُ) مِنْ قَامَرَهُ مُقَامَرَةً وَقِمَارًا فَقَمَرَهُ: إذَا رَاهَنَهُ فَغَلَبَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ (قَوْلُهُ وَفِي الْمُلْتَقَى إلَخْ) هَذَا بِمَعْنَى مَا مَرَّ عَنْ الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ، لَكِنَّهُ فِي الْمُلْتَقَى ذَكَرَهُ بَعْدَ جَمِيعِ مَا مَرَّ مِنْ الْأَلْفَاظِ. وَعِبَارَةُ الْهِدَايَةِ وَالزَّيْلَعِيِّ تُوهِمُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ فِي نَحْوِ حِمَارٍ وَخِنْزِيرٍ مِمَّا يُتَيَقَّنُ فِيهِ بِكَذِبِ الْقَائِلِ فَأَعَادَهُ الشَّارِحُ آخِرًا لِدَفْعِ هَذَا الْإِيهَامِ فَافْهَمْ

(قَوْلُهُ ادَّعَى سَرِقَةً) ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ الْقُنْيَةِ، وَذَكَرَ الثَّانِيَةَ عَنْ فَتَاوَى قَارِئِ الْهِدَايَةِ، وَقَوْلُهُ بِخِلَافِ دَعْوَى الزِّنَا مِنْ كَلَامِ الْقُنْيَةِ، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى الْمَسْأَلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الدَّعْوَى، وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ دَخَلَ فِي ذَلِكَ دَعْوَى مَا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى (قَوْلُهُ لِمَا مَرَّ) أَيْ قُبَيْلَ هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ لِلدَّرْءِ: أَيْ مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى إثْبَاتِهِ كَانَ مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ، وَذَكَرْنَا الْفَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بِوُرُودِ النَّصِّ عَلَى جَلْدِهِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ.

وَأَمَّا مَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ مِنْ الْفَرْقِ بِأَنَّ دَعْوَى الزِّنَا لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهَا إلَّا بِنِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا، بِخِلَافِ دَعْوَى السَّرِقَةِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إثْبَاتُ الْمَالِ وَيُمْكِنُهُ إثْبَاتُهُ بِدُونِ نِسْبَتِهِ إلَى السَّرِقَةِ فَلَمْ يَكُنْ قَاصِدًا نِسْبَتَهُ إلَى السَّرِقَةِ، فَفِيهِ نَظَرٌ لِاقْتِضَائِهِ عَكْسَ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِيهِمَا.

ثُمَّ رَأَيْت الْخَيْرَ الرَّمْلِيَّ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا أَوْضَحْته فِيمَا عَلَّقْته عَلَى الْبَحْرِ فَافْهَمْ

(قَوْلُهُ وَهُوَ أَيْ التَّعْزِيرُ إلَخْ) لَمَّا كَانَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَالزَّيْلَعِيِّ وَقَاضِي خَانْ أَنَّ كُلَّ تَعْزِيرٍ حَقُّ الْعَبْدِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يَأْتِي زَادَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ غَالِبٌ فِيهِ تَبَعًا لِلدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمُصَنِّفِ، فَصَارَ قَوْلُهُ حَقُّ الْعَبْدِ مُبْتَدَأً، وَقَوْلُهُ غَالِبٌ فِيهِ خَبَرَهُ وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ قَوْلِهِ وَهُوَ، وَالْمُرَادُ كَمَا أَفَادَهُ ح أَنَّ أَفْرَادَهُ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْعَبْدِ أَكْثَرُ مِنْ أَفْرَادِهِ الَّتِي هِيَ حَقُّ اللَّهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ الْحَقَّيْنِ اجْتَمَعَا فِيهِ وَحَقُّ الْعَبْدِ غَالِبٌ كَمَا قِيلَ بِعَكْسِهِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ اهـ.

قُلْت: هَذَا وَإِنْ دَفَعَ الْإِيرَادَ الْمَارَّ لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ خِلَافُهُ، وَهُوَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ الْعَبْدِ غَالِبٌ فِيهِ عَكْسُ حَدِّ الْقَذْفِ، وَقَدْ دَفَعَ الشَّارِحُ الْإِيرَادَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ وَيَكُونُ أَيْضًا حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى. فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَوَّلِ مَا كَانَ حَقًّا لِلْعَبْدِ، وَأَنَّ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَيْضًا وَلَكِنَّ حَقَّ الْعَبْدِ غَالِبٌ فِيهِ عَلَى عَكْسِ حَدِّ الْقَذْفِ.

<<  <  ج: ص:  >  >>