للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

مُرَكَّبَةٌ، أَيْ هِيَ فِي الْيَهُودِ مُشَاقَّةٌ وَزِيَادَةٌ، تِلْكَ الزِّيَادَةُ لَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِ الْيَهُودِ، فَوَقَعَ الْفَرْقُ، وَذَلِكَ أَنَّ مُشَاقَّةَ غَيْرِ الْيَهُودِ كَانَتْ؛ لِجَهْلِهِمْ وَشَكِّهِمْ، كَمَا أَشَارَ تَعَالَى لِذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [٣٦ \ ٧٨ - ٧٩] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ، وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ «ص» : وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي [٣٨ \ ٤ - ٨] .

فَهُمْ فِي عَجَبٍ وَدَهْشَةٍ، وَاسْتِبْعَادٍ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَهُمْ فِي شَكِّ مِنْ أَمْرِهُمْ، فَهُمْ فِي حَاجَةٍ إِلَى إِزَالَةِ الشَّكِّ وَالتَّثَبُّتِ مِنَ الْأَمْرِ، وَلِذَا لَمَّا زَالَ عَنْهُمْ شَكُّهُمْ وَتَبَيَّنُوا مِنْ أَمْرِهُمْ، وَرَاحُوا يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، بَيْنَمَا كَانَ كُفْرُ الْيَهُودِ جُحُودًا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، فَكَانُوا يَعْرِفُونَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ \ ١٤٦] ، وَقَدْ سُمِّيَ لَهُمْ فِيمَا أَنْزَلَ كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [٦١ \ ٦] فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ بَيَانٌ، وَلَكِنَّهُ الْحَسَدُ وَالْجُحُودُ كَمَا بَيَّنَ تَعَالَى أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ عَنْهُمْ: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ [٢ \ ١٠٩] ، وَقَوْلِهِ: وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ [٣ \ ٦٩] ، وَقَوْلِهِ: وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ \ ٧٥] ، وَقَوْلِهِ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٣ \ ٧١] .

فَقَدْ كَانُوا جَبْهَةَ تَضْلِيلٍ لِلْنَاسِ، وَتَحْرِيفٍ لِلْكِتَابِ، وَتَلْبِيسٍ لِلْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، كُلُّ ذَلِكَ عَنْ قَصْدٍ وَعِلْمٍ، بِدَافِعِ الْحَسَدِ وَمُنَاصَبَةِ الْعَدَاءِ وَخَصْمٌ هَذَا حَالُهُ فَلَا دَوَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُدَلِّسَ لَا يُؤْمَنُ جَانِبُهُ، وَالْمُضَلِّلَ لَا يُصَدَّقُ، وَالْحَاسِدَ لَا يَشْفِيهِ إِلَّا زَوَالُ النِّعْمَةِ عَنِ الْمَحْسُودِ، وَمِنْ جَانِبٍ آخَرَ فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ الطَّمَعَ عَنْ إِيمَانِهِمْ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [٢ \ ٧٥] ، كَمَا أَيْأَسَ مِنْ إِيمَانِهِمْ بَعْدَ إِقْرَارِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِتَغَلُّفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ وَرُؤْيَةِ النُّورِ: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ

<<  <  ج: ص:  >  >>