للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قال: صدقت، لقد كان كذلك، فقالت: مات الرأس وبتر الذنب، وبالله أسأل أمير المؤمنين إعفائي؛ مما استعفيت منه، قال: قد فعلت، قولي حاجتك، قالت: يا أمير المؤمنين، إنك أصبحت للناس سيدًا، ولأمورهم متقلدًا، والله سائلك عن أمرنا وما افترض عليك من حقنا، ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك، ويبسط سلطانك، فيحصدنا حصاد السنبل، ويدوسنا دياس١ البقر، ويسومنا٢ الخسيسة، ويسلبنا الجليلة، هذا ابن أرطأة٣ قدم بلادي، وقتل رجالي، وأخذ مالي، ولولا الطاعة لكان فينا عزٌّ ومنعة؛ فإما عزلته عنا فشكرناك، وإما لا فعرفناك، فقال معاوية: إياي تهددين بقومك؟ والله لقد هممت أن أحملك على قَتَبٍ٤ أشرس فأردَّكِ إليه، ينفذ فيك حكمَه، فأطرقتْ تبكي، ثم أنشأت تقول:

صلى الإله على روحٍ تَضَمَّنَه ... قبرٌ فأصبح فيه العدلُ مدفونا

قد حالفَ الحقَّ لا يبغِي به ثمنًا ... فصار بالحق والإيمان مقرونا

قال: ومن ذلك؟ قالت: عليّ بن أبي طالب، رحمه الله تعالى، قال: وما صنع بك حتى صار عندك كذلك؟ قالت: أتيته يومًا في رجل ولاه صدقاتنا؛ فكان بيننا وبينه ما بين الغث٥ والسمين، فوجدته قائمًا يصلي، فانفتل من الصلاة، ثم قال برأفة


١الدوس والدياس والدياسة: الوطء بالرجل.
٢ يكلفنا.
٣ هو بسر بن أرطأة، وقيل ابن أبي أرطأة، وكان معاوية في أيام عليٍّ سيره إلى الحجاز واليمن ليقتل شيعة عليٍّ ويأخذ البيعةَ له؛ فسار إلى المدينة، ففعل بها أفعالًا شنيعة، وسار إلى اليمن؛ وكان عليها عبيدَ الله بن العباس من قبل عليٍّ، فهرب عبيدُ الله فَنَزَلَها بسر، وذبح عبد الرحمن وقثم ابني عبيد الله وهما صغيران بين يدي أمهما عائشة بنت عبد المدان؛ فأصابها من ذلك حزنٌ عظيمٌ؛ فأنشأت تقول:
يا من أحسن بني اللذين هما ... كالدرتينِ تشظَّى عنهما الصدفُ
يا من أحس بني اللذين هما ... سمعِي وقلبي؛ فقلبي اليوم مختطف
يا من أحس بني اللذين هما ... مخ العظام؛ فمخي اليوم مزدهف
٤ القتب: الإكاف الصغير على قدر سنام البعير، والمراد به هنا البعير لوصفه بالأشرس ففيه مجاز؛ أو الأشرس: الخشن الغليظ.
٥ الغث: المهزول.

<<  <  ج: ص:  >  >>