للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتفرغ بدنه لطاعة الله، وإن كثرة ذكر الموت تخيف العبد من ربه، حتى يجأر١ إليه ويستكين له، وإن فراق الفاسقين حق على المؤمنين، قال الله في كتابه: {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} ، وإن حب المؤمنين للسبب الذي ينال به كرامة الله ورحمته وجنته، جعلنا الله وإياكم من الصادقين الصابرين؛ ألا إن من نعمة الله على المؤمنين أن بعث فيهم رسولًا من أنفسهم؛ فعلمهم الكتاب والحكمة وزكاهم وطهرهم، وفقههم في دينهم، وكان بالمؤمنين رءوفًا رحيمًا، حتى قبضه الله، صلوات الله عليه، ثم ولي الأمر من بعده التقي الصديق، على الرضا من المسلمين، فاقتدى بهديه، واستن بسنته، حتى لحق بالله رحمه الله، واستخلف عمر فولاه الله أمر هذه الرعية؛ فعمل بكتاب الله، وأحيا سنة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يحنق في الحق على جرته٢، ولم يخف في الله لومة لائم؛ حتى لحق به رحمة الله عليه، وولي من بعده عثمان، فاستأثر بالفيء، وعطل الحدود، وجار في الحكم، واستذل المؤمن، وعزر المحرم؛ فسار إليه المسلمون فقتلوه، فبرئ الله منه ورسوله وصالح المؤمنين، وولي أمر الناس من بعده علي بن أبي طالب؛ فلم ينشب أن حكم في أمر الله الرجال، وشك في أهل الضلال، وركن٣ وأدهن، فنحن من علي وأشياعه براء، فتيسروا رحمكم الله لجهاد هذه الأحزاب المتحزبة، وأئمة الضلال الظلمة، وللخروج من دار الفناء إلى دار البقاء، واللحاق بإخواننا المؤمنين الموقنين الذين باعوا الدنيا بالآخرة، وأنفقوا أموالهم التماس رضوان الله في العاقبة، ولا تجزعوا من القتل في الله، فإن القتل أيسر من الموت، والموت نازل بكم -غير ما ترجم الظنون- فمفرق بينكم وبين آبائكم وأبناكم وحلائلكم ودنياكم،


١ جأر إليه كمنع: رفع صوته بالدعاء، وتضرع واستغاث.
٢ أحنق الصلب: لزق بالبطن. والجرة: ما يخرجه البعير من جوفه ويمضغه، كنى بذلك عن عدم إضماره الحقد والدغل.
٣ ركن إليه: مال.

<<  <  ج: ص:  >  >>