للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[وفاته رضي الله عنه وأرضاه]

أختم حديثي هذا بالحديث عن وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، فإنه قد تمنى الشهادة، ودعا الله كثيراً بهذا، وفي يوم استلقى على ظهره في البطحاء فقال: رب! قد كبر سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، اللهم اقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط.

هذه أمنية لأمير المؤمنين الذي ملأ الأرض صدقاً وعدلاً، وملكه الله مشارق الأرض ومغاربها، وقد تحققت نبوة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال عندما اهتز أحد: (اثبت أحد، فإن عليك نبياً، وصديقاً، وشهيدين)، ويقصد بالشهيدين عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان رضي الله عنهم أجمعين، وقد قتل شهيداً، قتله أبو لؤلؤة المجوسي بخنجر مسموم؛ لأنه اشتكى من المغيرة فقال له: اتق الله في مولاك، فغضب هذا المجوسي وأخذ خنجراً مسموماً، وقتل عمر في صلاة الفجر بعد أن كبر تكبيرة الإحرام، فقال عمر: قتلني الكلب، ثم استخلف عبد الرحمن بن عوف فصلى بالناس، فأخذه ابن عمر على فخذه فقال: دع وجهي، أو ضع خدي على التراب، لعل الله جل وعلا أن يرحمني، فلم يفعل، فقال: ويح أمك ضع خدي على التراب لعل الله جل وعلا أن يرحمني، ثم إنه عند موته لم يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد دخل عليه رجل، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: يا بني ارفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك.

وقال له ابن عباس: أبشر يا أمير المؤمنين، والله لقد كنت عدلاً وأميناً، ثم عدد فضائله، فقال: أتشهد لي بذلك عند ربك يوم القيامة؟ قال: والله أشهد بذلك، فقال عمر: ليتني خرجت منها لا لي ولا علي.

ثم قال لـ ابن عمر: أحب ما يكون إلي أن تستأذن لي عائشة رضي الله عنها وأرضاها، تقول لها: عمر بن الخطاب، ولا تقل: أمير المؤمنين، فلست الآن بأمير المؤمنين، فقال: قل لها: عمر يستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فذهب ابن عمر إلى عائشة فسمعها تبكي على عمر رضي الله عنه وأرضاه، فقال: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فقالت عائشة: كنت أريد هذا لنفسي، فآثرت عمر بن الخطاب على نفسها، ووافقت، ودفن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه مع صاحبيه.

قال علي بن أبي طالب بعد أن مات عمر بن الخطاب: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، يعني: بمثل عمل عمر بن الخطاب، فايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، فإني كنت كثيراً ما أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول (ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر وجئت أنا وأبو بكر وعمر)، دعوت الله أن يحشرك مع صاحبيك، مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، فرحم الله الفاروق.

وقبل أن يموت لم يستخلف أحداً من بعده؛ لأنه أراد ألا يكون العبء عليه، وقال: إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني - أبو بكر - وإن لم أستخلف فلم يستخلف من هو خير مني، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جعل الأمر شورى بين الستة الذين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم: عبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله - طلحة الخير- والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وترك سعيد بن زيد مع أنه من العشرة المبشرين بالجنة؛ لأنه من ذوي القرابة، وأيضاً عبد الله بن عمر بن الخطاب لا يقل فضلاً عن هؤلاء الستة، لكنه لم يكتبه معهم؛ لأنه خشي عليه من تبعات هذه المسئولية، لكنه قال: يشهد المشورة عبد الله بن عمر، وإذا اختلفتم إلى ثلاثة وثلاثة، فـ عبد الله بن عمر يفصل بين الثلاثة، حتى وصلوا إلى الاتفاق على خلافة عثمان رضي الله عنه وأرضاه.