للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[الشفاعة وأنواعها]

ثم ذكر المصنف الشفاعة، والشفاعة: مأخوذة من الشفع الذي هو ضد الوتر.

وذلك لأن الشافع يضم طلبه إلى المشفوع له، فسميت شفاعة لأجل أن الشافع يضم طلبه إلى المشفوع له، فيصبح الطلب طلبان: طلب الشافع وطلب المشفوع له، أما تعريفها بأنها طلب الخير للغير فهذا عام، والشفاعة أقسام، وذكر منها ثلاث شفاعات: الشفاعة الأولى: الشفاعة الكبرى التي قال الله جل وعلا فيها: {وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً} [الإسراء:٧٩] ، فـ (مَحْمُوداً) يعني: يحمده عليه الأولون والآخرون.

ومعنى ذلك أن هذه شفاعة عامة شاملة للخلق كلهم من الجن والإنس، ولهذا سميت (كبرى) ، وهذه الشفاعة هي الشفاعة في الموقف قبل الحساب، وقبل إتيان الرب جل وعلا إليهم، وهي الشفاعة في طلب المحاسبة والإراحة من عناء الموقف، وقد جاء تفصيلها في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فصلها تفصيلاً يجب أن يؤمن به، وهذه هي التي يتدافعها أولوا العزم من الرسل، بل أول ما يبدأ في طلبها تطلب من أبي البشر آدم عليه السلام، وآدم يقول العلماء: إنه ليس من أولي العزم؛ لقول الله جلا وعلا: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه:١١٥] ، وإنما أولوا العزم هم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم، وهؤلاء ذكروا جميعاً في آيتين من القرآن في سورة الشورى وسورة الأحزاب، قال الله جل وعلا: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف:٣٥] ، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتأسى بهم في الصبر.

فيشتد الكرب في ذلك اليوم لطول الوقوف، وقد ذكر الله جل وعلا أن هذا اليوم يكون كخمسين ألف سنة، وقد جاء تفصيل ذلك في الأحاديث، كحديث الوعيد في الذي لا يؤدي الزكاة، وأنه إذا كانت زكاته ذهباً أو فضة يكوى بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، وإذا كانت زكاة غنم أو إبل أو غير ذلك فإنه يعذب بها، وكذلك جاء قول الله جل وعلا: {تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً * يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ * وَلا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً} [المعارج:٤-١٠] ، وفي بعض الآيات أنه ألف سنة، كقوله تعالى: {كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ} [الحج:٤٧] ، وهذا يختلف باختلاف أعمال الناس، فمنهم يكون عليه أقل من ذلك، ومنهم من يطول عليه طولاً شديد فيكثر الكرب والشدة عليه.

فإذا طال الأمر على أهل الموقف يلهمهم الله جل وعلا فيقولون: لماذا لا نطلب إلى ربنا جل وعلا الشفاعة؟ فيقول بعضهم لبعض: من أولى بذلك من أبيكم آدم؟ فإن الله خلقه بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته.

فيأتون إليه ويقولون له ذلك، فيقول: لست كما تظنون، أنا عصيت ربي، نهاني عن شيء فعصيته، وإن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني لا أسأل ربي إلا نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح فإن الله سماه عبداً شكوراً، وهو أول رسول أرسله الله جل وعلا إلى أهل الأرض.

فيأتون إليه فيعتذر ويقول: كان لي دعوة دعوت بها على قومي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم؛ فإنه خليل الرحمن، فيأتون إليه فيعتذر ويرسلهم إلى موسى، فيأتون إليه فيعتذر ويرسلهم إلى عيسى، فيأتون إليه فيعتذر ويرسلهم إلى محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: إنه خاتم الرسل؛ فهو عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وهذا كله يدل على شدة الموقف، وأن الأمر شديد جداً؛ فالأنبياء أولوا العزم يخافون، فيأتون إليه صلى الله عليه وسلم، كما قال: (فإذا أتوا إلي أذهب إلى مكان تحت العرش، فإذا رأيت ربي خررت له ساجداً، فيفتح علي من المحامد والثناء ما يرضى به عني، ثم يقول جل وعلا: أي محمد! أرفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع) فيطلب من ربه جل وعلا أن يأتي لمحاسبة عباده وإراحتهم من الموقف فيعطيه الله جل وعلا ذلك فيأتي.

وهذه هي أول شفاعة، وهي الشفاعة العظمى التي تشمل الخلق كلهم.

الشفاعة الثانية: شفاعته صلى الله عليه وسلم لقوم استحقوا دخول النار من أهل التوحيد في ألا يدخلوها، وهذه ليست خاصة به صلى الله عليه وسلم، بل يشاركه فيها الملائكة والأنبياء والعلماء والشهداء والصالحون وغيرهم من الشفعاء.

الشفاعة الثالثة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في قوم دخلوا النار أن يخرجوا منها، فيشفع فيهم حتى يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ويشفع فيهم وهذه أيضاً ليست خاصة به، بل يشاركه فيها غيره من الأنبياء والملائكة وغيرهم من الشفعاء.

الشفاعة الرابعة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في دخول أهل الجنة الجنة، وفي افتتاح باب الجنة، وهي خاصة به صلوات الله وسلامه عليه، وقد صحت أحاديث كثيرة في أنه صلى الله عليه وسلم أول من يفتتح باب الجنة، وأول من يدخلها، إذ لا يدخلها أحد من الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وكذلك لا يدخلها أحد من الأمم قبل أمته صلى الله عليه وسلم.

الشفاعة الخامسة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في عمه أبي طالب، يشفع فيه فيخرج من طبقات النار ويوضع في ضحضاح من نار يصل كعبيه يغلي منها دماغه، يعني: أنه يخفف عنه عذاب النار فقط، وإلا فهو لن يخرج منها، وهذه أيضاً خاصة، ولا تنافي الآيات كقوله جل وعلا: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:٤٨] وما أشبه ذلك من الآيات الكثيرة؛ لأن هذا دليل خاص، فيخص العموم؛ ولا يكون ذلك مخالفاً.

الشفاعة السادسة: شفاعته صلى الله عليه وسلم في رفع بعض درجات أهل الجنة وهذه أيضاً ليست خاصة به، بل يشاركه فيها غيره من الشفعاء.

فهذه ستة أقسام قد صحت فيها الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما القسم الأول والقسم الخامس والسادس يعني: شفاعته في الموقف، وشفاعته في افتتاح الجنة، وكذلك شفاعته في رفع درجات بعض أهل الجنة هذه الثلاثة الأقسام لا خلاف فيها بين أهل السنة وأهل البدعة.

وأما الذي أنكره أهل البدع: المعتزلة والخوارج ونحوهم فالشفاعة في الذين ارتكبوا الكبائر وماتوا عليها بلا توبة، وكذلك الشفاعة فيمن دخل النار فإن هذه ينكرونها؛ مع أن الأحاديث فيها متواترة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واحتجوا في إنكارهم بآيات من كتاب الله جل وعلا كقوله جل وعلا: {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار:١٩] ، وكقوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة:٤٨] وكقوله جل وعلا: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر:٤٨] في آيات كثيرة.

وهذه عادة أهل البدع أنهم يأخذون عمومات من كتاب الله بدون النظر والرجوع إلى الأمور المحكمة والآيات التي تنص على غير ذلك؛ فيضعونها على حسب مرادهم، ويضربون بعضها ببعض، فيتأولونها ابتغاء الفتة وابتغاء أهوائهم وما توافقه آرائهم، وهكذا شأن أهل البدع.

فيجب على المؤمن أن يؤمن إيماناً جازماً لا يختلجه شك بأن كلام الله جلا وعلا وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لا يتعارضا، وأن بعضه يوافق بعض، ويصدق بعضه بعضاً، وإذا بدا للإنسان شيءٌ من التعارض فإن هذا توهم منه وقصور، فالتعارض موهوم وليس حقيقة؛ لأن كلام الله لا يتعارض، ولا يجوز أن نأخذ البعض ونترك البعض.

هذا الرد الإجمالي.

أما الرد التفصيلي على هؤلاء فبالنصوص التي صحت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتلالهم بأنها أخبار آحاد لا يقبل، بل أكثر أمور الإسلام أخبار آحاد، والرسول صلى الله عليه وسلم أقر ذلك كما هو معلوم، فهذه تكية يتكئ عليها أهل البدع ويعتلون بها وهي باطلة، وقد ألف فيها العلماء مؤلفات كثيرة، وبينوا بطلانها، واحتجوا عليها بحجج كثيرة جداً.

<<  <  ج: ص:  >  >>